الناس كان في أمره عشيرتي ، وأما ما سألتني من مبايعتك على الطلب بدمه ، وما عرضته على
فقد فهمته ، وهذا أمر لي نظر فيه وفكر ، وليس هذا مما يعجل إلى مثله ، وأنا كاف عنك ،
وليس يأتيك من قبلي شئ تكرهه حتى ترى ونرى إن شاء الله تعالى . والسلام عليك
ورحمة الله وبركاته .
قال إبراهيم : فلما قرأ معاوية كتابه لم يره إلا مقاربا مباعدا ، ولم يأمن أن يكون
له في ذلك مخادعا مكايدا ، فكتب إليه :
أما بعد ، فقد قرأت كتابك ، فلم أرك تدنو فأعدك سلما ، ولم أرك تتباعد فأعدك
حربا ، أراك كحبل الجرور ، وليس مثلي يصانع بالخداع ، ولا يخدع بالمكايد ، ومعه عدد
الرجال وأعنه الخيل ، فإن قبلت الذي عرضت عليك فلك ما أعطيتك ، وإن أنت لم
تفعل ملأت مصر عليك خيلا . ورجلا والسلام .
فلما قرأ قيس كتابه ، وعلم أنه لا يقبل منه المدافعة والمطاولة ، أظهر له ما في نفسه ،
فكتب إليه :
من قيس بن سعد ، إلى معاوية بن أبي سفيان .
أما بعد ، فالعجب من استسقاطك رأيي ، والطمع في أن تسومني - لا أبا لغيرك -
الخروج من طاعة أولى الناس بالامر ، وأقولهم بالحق وأهداهم سبيلا ، وأقربهم من رسول
الله وسيلة ، وتأمرني بالدخول في طاعتك وطاعة أبعد الناس من هذا الامر ، وأقولهم بالزور ،
وأضلهم سبيلا ، وأدناهم من رسول الله وسيلة ، ولديك قوم ضالون مضلون ، طواغيت من
طواغيت إبليس . وأما قولك إنك تملأ على مصر خيلا ورجلا ، فلئن لم أشغلك عن
ذلك حتى يكون منك ، إنك لذو جد . والسلام .
فلما أتى معاوية كتاب قيس ، أيس وثقل مكانه عليه ، وكان أن يكون مكانه غيره
أحب إليه ، لما يعلم من قوته وتأبيه ( 1 ) ونجدته ، واشتداد أمره على معاوية ، فأظهر للناس أن
هامش
( 1 ) ج : ( وبأسه )