غير ضعف ، جوادا من غير سرف ، ممسكا من غير وكف ( 1 ) . قال ابن عباس : وكانت
هذه صفات عمر ، ثم أقبل على فقال : إن أحراهم أن يحملهم على كتاب ربهم وسنة نبيهم
لصاحبك ، والله لئن وليها ليحملنهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم .
* * *
واعلم أن الرجل ذا الخلق المخصوص لا يرى الفضيلة إلا في ذلك الخلق ، إلا ترى أن
الرجل يبخل فيعتقد أن الفضيلة في الامساك ، والبخيل يعيب أهل السماح والجود ، وينسبهم
إلى التبذير وإضاعة الحزم ، وكذلك الرجل الجواد يعيب البخلاء وينسبهم إلى ضيق النفس
وسوء الظن وحب المال ، والجبان يعتقد أن الفضيلة في الجبن ويعيب الشجاعة ويعتقد كونها
خرقا وتغريرا بالنفس ، كما قال المتبنى :
* يرى الجبناء أن الجبن حزم ( 1 ) *
والشجاع يعيب الجبان وينسبه إلى الضعف ، ويعتقد أن الجبن ذل ومهانة ، وهكذا
القول في جميع الأخلاق والسجايا المقتسمة بين نوع الانسان . ولما كان عمر شديد الغلظة وعر
الجانب ، خشن الملمس دائم العبوس ، كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة وأن خلافه نقص ،
ولو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة وسماحة الخلق ، لكان يعتقد أن ذاك هو الفضيلة
وأن خلافه نقص ، حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلى عليه السلام ، وخلق على حاصل له ،
لقال في علي : ( لولا شراسة فيه ) .
فهو غير ملوم عندي فيما قاله ، ولا منسوب إلى أنه أراد الغض من على ، والقدح
هامش
( 1 ) الوكف : العيب .
( 2 ) ديوانه 239 وبقيته :
* وتلك خديعة الطبع اللئيم *