لا يفاتون بوتر ، ولا يسبقون إلى كريم ذكر ، قد وطنوا على الموت أنفسهم ، وسمت بهم
إلى العلياء هممهم ، كما قالت الأزدية :
قوم إذا شهدوا الهياج فلا * ضرب ينهنههم ولا زجر
وكأنهم آساد غينة قد * غرثت وبل متونها القطر .
فلتكونن منهم بحيث أعددت ليلة الهرير للهرب فرسك ، وكان أكبر همك سلامة
حشاشة نفسك ، ولولا طغام من أهل الشام وقوك بأنفسهم ، وبذلوا دونك مهجهم ،
حتى إذا ذاقوا وخز الشفار ، وأيقنوا بحلول الدمار ، رفعوا المصاحف مستجيرين بها ، وعائذين
بعصمتها لكنت شلوا مطروحا بالعراء ، تسفى عليك رياحها ، ويعتورك ذبابها .
وما أقول هذا أريد صرفك عن عزيمتك ، ولا إزالتك عن معقود نيتك ، لكن
الرحم التي تعطف عليك ، والأوامر التي توجب صرف النصيحة إليك .
فقال معاوية : لله درك يا بن عباس ! ما تكشف الأيام منك إلا عن سيف صقيل ،
ورأي أصيل ! وبالله لو لم يلد هاشم غيرك لما نقص عددهم ، ولو لم يكن لأهلك سواك لكان
الله قد كثرهم .
ثم نهض ، فقام ابن عباس وانصرف .
* * *
وروى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب في أماليه ، أن عمرو بن العاص قال لعتبة
أن أبي سفيان يوم الحكمين : أما ترى ابن عباس ، قد فتح عينيه ، ونشر أذنيه ، ولو قدر
أن يتكلم بهما فعل ، وإن غفلة أصحابه لمجبورة بفطنته ، وهي ساعتنا الطولى فاكفنيه .
قال عتبة بجهدي .
شرح نهج البلاغة — صفحة 303
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٣٠٣