ومن الدقائق في العلم النجومي الدرجات المدارة والغريبة والمظلمة والنيرة والزائدة في
السعادة ودرجات الآثار ، من جهة أنها أجزاء الفلك ، إن قطعوها وما انقطعت ، ومع انتقال
ما ينتقل من الكواكب إليها وعنها ، ثم أنتجوا من ذلك نتائج أنظارهم من أعداد الدرج وأقسام الفلك ، فقالوا : إن الكوكب ينظر إلى الكواكب من ستين درجة نظر تسديس
لأنه سدس من الفلك ، ولا ينظر إليه من خمسين ولا من سبعين وقد كان قبل الستين
بعشر درج ، وهو أقرب من ستين ، وبعدها بعشر درج ، وهو أبعد من ستين لا ينظر .
فليت شعري ما هذا النظر ! أترى الكواكب تظهر للكوكب ثم تحتجب عنه ، ثم شعاعه يختلط بشعاعه عند حد لا يختلط به قبله ولا بعده !
وكذلك التربيع ، من الربع الذي هو تسعون درجة ، والتثليث من الثلث الذي هو
مائة وعشرون درجة ، فلم لا يكون التخميس والتسبيع والتعشير على هذا القياس ! ثم يقولون :
الحمل حار يابس ناري ، والثور بارد يابس أرضى والجوزاء حار رطب هوائي ، والسرطان
بارد رطب مائي !
ما قال الطبيعي هذا قط ، ولا يقول به . وإذا احتجوا وقاسوا كانت مبادئ قياساتهم
الحمل برج ينقلب ، لان الشمس إذا نزلت فيه ينقلب الزمان من الشتاء إلى الربيع ، والثور
برج ثابت ، لان الشمس إذا نزلت فيه ثبت الربيع على ربيعيته .
والحق أنه لا ينقلب الحمل ولا يثبت الثور ، بل هما على حالهما في كل وقت . ثم كيف
يبقى دهره منقلبا مع خروج الشمس منه وحلولها فيه ! أتراها تخلف فيه أثرا أو تحيل منه
طباعا ، وتبقى تلك الاستحالة إلى أن تعود فتجددها ، ولم لا يقول قائل : إن السرطان حار
يابس ، لان الشمس إذا نزلت فيه يشتد حر الزمان ، وما يجانس هذا مما لا يلزم لا هو ولا
ضده ، فليس في الفلك اختلاف يعرفه الطبيعي ، إلا بما فيه من الكواكب وهو في نفسه
شرح نهج البلاغة — صفحة 207
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٢٠٧