وقد كنت أعطيتهم من قبل عهدا فلم تف به ، فلا تغرر في هذه المرة ، فإني معطيهم عنك
الحق ، قال : أعطهم فوالله لأفين لهم .
فخرج علي عليه السلام إلى الناس ، فقال : إنكم إنما تطلبون الحق ، وقد أعطيتموه ،
وإنه منصفكم من نفسه ، فسأله الناس أن يستوثق لهم ، وقالوا : إنا لا نرضى بقول دون فعل ،
فدخل عليه فأعلمه ، فقال : اضرب بيني وبين الناس أجلا ، فإني لا أقدر على تبديل
ما كرهوا في يوم واحد ، فقال علي عليه السلام : أما ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وأما
ما غاب فأجله وصول أمرك ، قال : نعم ، فأجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام . فأجابه إلى ذلك ،
وكتب بينه وبين الناس كتابا على رد كل مظلمة ، وعزل كل عامل كرهوه . فكف
الناس عنه ، وجعل يتأهب سرا للقتال ، ويستعد بالسلاح ، واتخذ جندا ، فلما مضت الأيام
الثلاثة ولم يغير شيئا ثار به الناس ، وخرج قوم إلى من بذي خشب من المصريين ،
فأعلموهم الحال ، فقدموا المدينة ، وتكاثر الناس عليه ، وطلبوا منه عزل عماله ورد مظالمهم ،
فكان جوابه لهم : إني إن كنت أستعمل من تريدون لا من أريد ، فلست إذن في شئ
من الخلافة ، والامر أمركم . فقالوا : والله لتفعلن أو لتخلعن أو لنقتلنك ، فأبى عليهم
وقال : لا أنزع سربالا سربلنيه الله . فحصروه وضيقوا الحصار عليه .
* * *
وروى أبو جعفر : لما اشتد على عثمان الحصار ، أشرف على الناس ، فقال : يا أهل
المدينة ، أستودعكم الله وأساله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي ، ثم قال : أنشدكم الله !
هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم ! أفتقولون :
إن الله لم يستجب لكم ، وهنتم عليه ، وأنتم أهل حقه وأنصار نبيه ( 1 ) ، أم تقولون : هان على الله
هامش
( 1 ) ب " دينه " .