والكتاب ، لما يحكمون من المعاقد ، ويجمعون من المنافع ويؤتمنون عليه
من خواص الأمور وعوامها ، ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوي الصناعات ،
فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ، ويكفونهم من
الترفق بأيديهم ، مما لا يبلغه رفق غيرهم .
ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة ، الذين يحق رفدهم ومعونتهم
وفي الله لكل سعة ، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه .
وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله تعالى من ذلك ، إلا بالاهتمام
والاستعانة بالله ، وتوطين نفسه على لزوم الحق والصبر عليه فيما خف عليه
أو ثقل .
* * *
الشرح :
قالت الحكماء الانسان مدني بالطبع ، ومعناه أنه خلق خلقة لا بد معها من أن
يكون منضما إلى اشخاص من بنى جنسه ، ومتمدنا في مكان بعينه ، وليس المراد بالمتمدن
ساكن المدينة ذات السور والسوق ، بل لابد أن يقيم في موضع ما مع قوم من البشر ،
وذلك لان الانسان مضطر إلى ما يأكله ويشربه ليقيم صورته ، ومضطر إلى ما يلبسه ،
ليدفع عنه أذى الحر والبرد ، وإلى مسكن يسكنه ليرد عنه عادية غيره من الحيوانات ، وليكون منزلا له ليتمكن من التصرف والحركة عليه ، ومعلوم أن الانسان وحده
لا يستقل بالأمور التي عددناها ، بل لابد من جماعة يحرث بعضهم لغيره الحرث ، وذلك
الغير يحوك للحراث الثوب ، وذلك الحائك يبنى له غيره المسكن ، وذلك البناء يحمل له
شرح نهج البلاغة — صفحة 49
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٤٩