وقادحاً زناد الاتعاظ والازدجار ، ومن أعجبه قوله عليه السلام : « ألا وَإنَّ اليَوْمَ المِضْمَارَ وَغَداً السّبَاقَ ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةَ ، وَالْغايَةُ النَّارُ » فإن فيه - مع فخامة اللفظ ، وعظم قدر المعنى ، وصادق التمثيل ، وواقع التشبيه - سراً عجيباً ، ومعنى لطيفاً ، وهو قوله عليه السلام : « وَالسَّبَقَة الْجَنَّة ، وَالْغايَةُ النَّارُ » فخالف بين اللفظين لاختلاف المعنيين ، ولم يقل : « السبقة النار » كما قال : « السبقة الجنّة » ؛ لأن الاستباق إنما يكون إلى أمر محبوب ، وغرض مطلوب ، وهذه صفة الجنّة وليس هذا المعنى موجوداً في النار ، نعوذ بالله منها ! فلم يجز أن يقول : « والسبقة النّار » بل قال : « والغاية النار » لأن الغاية قد ينتهى إليها من لا يسره الانتهاء إليها ، ومن سيره ذلك ، فصلح أن يعبر بها عن الأمرين معاً فهي في هذا الموضع كالمصير والمآل ، قال الله تعالى : « قُل تَمَتَّعُوا فإنّ مَصِيرَكُمْ إلى النارِ » ولا يجوز في هذا الموضع أن يقال : سبقتكم - بسكون الباء - إلى النار ، فتأمل ذلك ، فباطنه عجيب ، وغوره بعيد لطيف . وكذلك أكثر كلامه عليه السلام . وفى بعض النسخ : وقد جاء في رواية أخرى « والسبقة الجنة » - بضم السين - والسبقة عندهم : اسم لما يجعل للسابق إذا سبق من مال أو عرض ؛ والمعنيان متقاربان ، لأن ذلك لا يكون جزاءً على فعل الأمر المذموم وإنما يكون جزاءً على فعل الأمر المحمود .
ومن خطبة له ( ع ) ( 29 )
بعد غارة الضحاك بن قيس صاحب معاوية على الحاج بعد قصّة الحكمين
وفيها يستنهض أصحابه لمّا حدث في الأطراف
أَيُّهَا النَّاسُ ، الُمجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ ، الُمخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ ، كَلامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصّلابَ ، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ ! تَقُولُونَ فِي الَمجَالِس : كَيْتَ وَكَيْتَ ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ :