فأما القطب الراوندي فإنه قال : معنى قوله عليه السلام : " كائن لا عن حدث ،
موجود لا عن عدم " : إنه لم يزل موجودا ، ولا يزال موجودا ، فهو باق أبدا كما كان
موجودا أولا ، وهذا ليس بجيد ، لان اللفظ لا يدل على ذلك ولا فيه تعرض بالبقاء
فيما لا يزال .
وقال أيضا : قوله عليه السلام : " لا يستوحش " ، كلام مستأنف . ولقائل أن يقول :
كيف يكون كلاما مستأنفا ، والهاء " في فقده " ترجع إلى " السكن " المذكور أولا ! .
وقال أيضا : يقال ما له في الامر همة ولا همامة ، أي لا يهم به ، والهمامة : التردد ،
كالعزم . ولقائل أن يقول : العزم هو إرادة جازمة حصلت بعد التردد ، فبطل قوله : إن
الهمامة هي نفس التردد كالعزم . وأيضا فقد بينا مراده عليه السلام بالهمامة ، حكى زرقان ( 1 )
في كتاب " المقالات " وأبو عيسى الوراق ( 2 ) ، والحسن بن موسى ( 3 ) ، وذكره شيخنا
أبو القاسم البلخي ( 4 ) في كتابه في " المقالات " أيضا عن الثنوية : أن النور الأعظم اضطربت
عزائمه وإرادته في غزو الظلمة والإغارة عليها ، فخرجت
من ذاته قطعة وهي الهمامة المضطربة
في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها ، فاقتطعتها الظلمة عن النور الأعظم ، وحالت بينها وبينه ،
وخرجت همامة الظلمة غازية للنور الأعظم ، فاقتطعها النور الأعظم عن الظلمة ، ومزجها
بأجزائه ، وامتزجت همامة النور بأجزاء الظلمة أيضا ، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان
هامش
( 1 ) هو زرقان المتكلم ، تلميذ إبراهيم بن سيار النظام ، وقد حكى زرقان عن النظام أقوالا في
الفرق 50 - 51 ، وذكره المسعودي في التنبيه والاشراف 342 .
( 2 ) هو أبو عيسى محمد بن هارون الوراق ، كان من نظاري المعتزلة ، وله تصانيف على مذهبهم . توفي
سنة 247 . لسان الميزان 5 : 412 .
( 3 ) هو أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي ، من متكلمي الإمامية ، وذكره الطوسي في طبقاتهم ، عاش
في القرن الثالث . لسان الميزان 2 : 258 ، روضات الجنات 31 ، تنقيح المقال 1 : 312 .
( 4 ) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي ، شيخ المعتزلة ، وكان على رأس طائفة منهم
يقال لهم الكعبية ، توفي سنة 319 . ابن خلكان 1 : 252 .