في الجواب فكتب إليه عمرو : من عمرو بن ( 1 ) العاص صاحب رسول الله إلى معاوية بن أبي سفيان
أما بعد : فقد وصل إلي كتابك فقرأته ثم فهمته ، فأما دعوتني إليه من خلع ربقة الإسلام من عنقي ،
والتهور في الضلالة معك ، وإعانتي إياك على الباطل ، واختراط السيف في وجه علي وهو أخو
رسول الله ، ووصيه ، ووارثه ، وقاضي دينه ، ومنجز وعده ، وزوج ابنته سيدة نساء أهل الجنة ، وأبو
السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة فلن يكون ، وأما ما قلت إنك خليفة عثمان فقد
صدقت ، ولكن تبين اليوم عزلك عن خلافته ، وقد بويع لغيره فزالت خلافتك .
وأما ما عظمتني ونسبتني إليه من صحبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأني صاحب جيشه فلا أغتر بالتزكية ،
ولا أميل بها عن الملة ، وأما ما نسبت أبا الحسن أخا رسول الله ووصيه إلى البغي والحسد لعثمان ،
وسميت الصحابة فسقة ، وزعمت أنه اشلاهم على قتله فهذا كذب وغواية ، ويحك يا معاوية أما
علمت أن أبا الحسن بذل نفسه بين يدي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبات على فراشه ، وهو صاحب السبق إلى
الإسلام والهجرة ، وقد قال فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هو مني وأنا منه وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا
أنه لا نبي بعدي ، وقال فيه يوم غدير خم : ألا من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه ، وعاد
من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وهو الذي قال فيه رسول الله يوم خيبر : لأعطين
هامش
( 1 ) هكذا ورد صدر الحديث في المناقب :
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أرسل إلى معاوية رسله وهم الطرماح ، وجرير بن عبد الله البجلي
وغيرهما قبل مسيره إلى صفين وكتب إليه مرة بعد أخرى يحتج عليه ببيعة أهل الحرمين له ، وسوابقه في الإسلام
لئلا يكون بين أهل العراق وأهل الشام محاربة ومعاوية يعتل بدم عثمان ، ويستغوي بذلك جهال الشام ، وأجلاف
العرب ، ويستميل إليه طلبة الدنيا الدنية بالأموال والولايات وكان يشاور في أثناء ذلك ثقاته ، وأهل مودته
وعشيرته في قتال علي ( عليه السلام ) فقال له أخوه عتبة هذا أمر عظيم لا يتم إلا بعمرو بن العاص فإنه قريع زمانه في الدهاء
والمكر ، يخدع ولا يخدع ، وقلوب أهل الشام مايلة إليه ، فقال له معاوية : صدقت والله ، ولكنه يحب عليا فأخاف
أن لا يجيبني ، قال : أخدعه بالأموال ، والولايات ، فكتب إليه معاوية :
من معاوية بن أبي سفيان خليفة عثمان بن عفان إمام المسلمين ذي النورين ، ختن المصطفى على ابنته ، وصاحب
جيش العسرة ، وبئر دومة ، المعدوم الناصر ، الكثير الخاذل ، المحصور في منزله ، المقتول عطشا وظلما في
محرابه ، المعذب بأسياف الفسقة ، إلى عمرو بن العاص صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وثقته ، وأمير عسكره بذات
السلاسل ، المعظم رأيه المفخم تدبيره ، أما بعد : فلن يخف عليك احتراق قلوب المؤمنين ، وما أصيبوا به من
الفجيعة بدم عثمان ، وما ارتكب به جاره حسدا وبغيا بامتناعه من نصرته ، وخذلانه إياه ، واشيا به العامة عليه ،
حتى قتلوه في محرابه ، فيا لها من مصيبة عمت جميع المسلمين ، وفرضت عليهم طلب دمه من قتلته ، وأنا أدعوك
إلى الحظ الأجزل من الثواب ، والنصيب الأوفر من حسن المآب ، بقتال من آوى قتلة عثمان .
فكتب إليه عمرو : من عمرو بن العاص . . . ؟