ثالثها : أن يكون حكم الإمام بذلك لأجل أنه عليه السلام كان عالما بأنه لا
يبتلى بأكل النجس ولا يصادف له ذلك لانتحال أهله الاسلام واقبالهم إلى
دين الله قبل مصادفة الأكل معهم . فمع وجود هذه الاحتمالات كيف يمكن
الحكم بطهارتهم بمجرد تجويزه الأكل معهم ؟ وإذا جاء الاحتمال بطل
الاستدلال .
ثم إن في هذه الرواية كلاما من جهة أخرى وإن لم تكن مرتبطة بمسئلتنا ،
وهي أن الراوي صرح بأن أهله يشربون الخمر ، ومع ذلك أجاز الإمام الأكل
والشرب معهم بعد أن قال زكريا بأنهم لا يأكلون لحم الخنزير وقد فرق بين الخمر
والخنزير وهذا يدل على طهارة الخمر .
ويمكن دفع هذا الاشكال بأن آنية الخمر غير آنية الطعام فإن للشراب إناءا
خاصا به وللطعام إناءا آخر ، هذا بالنسبة إلى الإناء .
وأما بالنسبة إلى الشفة ونجاستها ففيها أنه لا ملازمة بين نجاسة الخمر
ونجاسة الشفة فمن الممكن شرب الخمر بنحو لا يتنجس خارج الفم وظاهره .
وإن أبيت إلا عن دلالة هذه الجملة على طهارته فنقول : إنه قد جوز ذلك
للاضطرار إليه ، أو نقول : إن هذه الرواية من الروايات الدالة على طهارة الخمر
وعند معارضتها للأخبار الدالة على النجاسة تقدم الثانية وتطرح ما دلت
على الطهارة .
ثم لا يخفى عليك إن هذه الرواية منقولة في الكافي بتفصيل غير مذكور
في هذا النقل فراجع . 1
هامش
1 . في أصول الكافي ج 2 ص 160 عن زكريا بن إبراهيم قال : كنت نصرانيا فأسلمت وحججت
ودخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت : إني كنت على النصرانية وإني أسلمت ، فقال : وأي شئ
رأيت في الاسلام ؟ قلت : قول الله عز وجل : " ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه
نورا نهدي به من نشاء " فقال : لقد هداك الله ، ثم قال : اللهم اهده - ثلاثا - سل عما شئت يا بني فقلت : إن أبي وأمي على النصرانية وأهل بيتي ، وأمي مكفوفة البصر فأكون معهم وآكل في
آنيتهم ؟ فقال يأكلون لحم الخنزير ؟ فقلت : لا ولا يمسونه ، فقال : لا بأس فانظر أمك فبرها ، فإذا
ماتت فلا تكلها إلى غيرك ، كن أنت الذي تقوم بشأنها ولا تخبرن أحدا أنك أتيتني حتى تأتيني
بمنى إن شاء الله قال : فأتيته بمنى والناس حوله كأنه معلم صبيان هذا يسأله وهذا يسأله فلما
قدمت الكوفة ألطفت لأمي وكنت أطعمها وأفلي ثوبها ورأسها وأخدمها فقالت لي : يا بني ما
كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني فما الذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفية ؟
فقلت : رجل من ولد نبينا أمرني بهذا فقالت : هذا الرجل هو نبي ؟ فقلت : لا ولكنه ابن نبي فقالت :
يا بني هذا نبي إن هذه وصايا الأنبياء ، فقلت : يا أمه إنه ليس يكون بعد نبينا نبي ولكنه ابنه
فقالت : يا بني دينك خير دين ، اعرضه علي فعرضته عليها فدخلت في الاسلام وعلمتها فصلت
الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة ، ثم عرض لها عارض في الليل ، فقالت : يا بني أعد على
ما علمتني فأعدته عليها ، فأقرت به وماتت ، فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسلوها وكنت
أنا الذي صليت عليها ونزلت في قبرها .