كتاب الله ورائه ظهريا ويلزمهم بما رأوا ، هذا الذكر الحكيم يقول بكل صراحة :
الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان . إلى قوله تعالى : فإن طلقها فلا
تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره . فقد أوجب سبحانه تحقيق المرتين والتحريم
بعد الثالث ، وذلك لا يجامع جمع التطليقات بكلمة - ثلاثا - ولا بتكرار صيغة الطلاق
ثلاثا متعاقبة بلا تخلل عقدة النكاح بينها .
أما الأول : فلأنه طلاق واحد وقول - ثلاثا - لا يكرره ألا ترى ؟ أن الوحدة
المأخوذة في الفاتحة في ركعات الصلاة لا تكرر لو شفعها المصلي بقوله : خمسا أو
عشرا ، ولا يقال : إنه كرر السورة وقرأها غير مرة .
وكذلك كل حكم اعتبر فيه العدد كرمي الجمرات السبع فلا يجزي عنه رمي
الحصيات مرة واحدة ، وكالشهادات الأربع في اللعان لا تجزي عنها شهادة واحدة
مشفوعة بقوله - أربعا - .
وكفصول الأذان المأخوذة فيها التثنية لا يتأتى التكرار فيها بقراءة واحدة
وإردافها بقول - مرتين - .
وكتكبيرات صلاة العيدين الخمس أو السبع المتوالية - عند القوم - قبل القراءة ( 1 )
لا تتأتى بتكبيرة واحدة بعدها قول المصلي خمسا أو سبعا .
وكصلاة التسبيح ( 2 ) وقد أخذ في تسبيحاتها العدد عشرا وخمسة عشر فلا تجزي
عنها تسبيحة واحدة مردوفة بقوله عشرا أو خمسة عشر . وهذه كلها مما لا خلاف فيه .
وأما الثاني فإن الطلاق يحصل باللفظ الأول ، وتقع به البينونة ، وتسرح به
المعقودة بالنكاح ، ولا يبقى ما بعده إلا لغوا ، فإن المطلقة لا تطلق ، والمسرحة لا
تسرح ، فلا يحصل به العدد المأخوذ في موضوع الحكم ، بل تعدد الطلاق يستلزم تخلل
عقدة الزواج بين الطلاقين ولو بالرجوع ، ومهما لم تتخلل يقع الطلاق الثاني لغوا
ويبطله قوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا طلاق إلا بعد نكاح . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : لا طلاق قبل نكاح . وقوله
هامش
( 1 ) السنن الكبرى 3 ص 285 - 291 .
( 2 ) صلاة التسبيح هي المسماة بصلاة جعفر عند أصحابنا ، ولا خلاف بين الفريقين في فضلها
وكمها وكيفها ، غير أن أئمة القوم أخرجوها في الصحاح والمسانيد عن ابن عباس .