المضلة والمعتقدات الشاذة عن سيرة المسلمين ، وشنوا عليه الغارة وبالغوا في الرد عليه .
والقارئ جد عليم بأن هذه اللهجة القارصة ليست من شأن من أسلم وجهه
لله وهو محسن ، وآمن بالنبي الطاهر ، واعتنق بما جاء به من كتاب وسنة ، ولا
تسوغها مكارم الأخلاق ومبادئ الانسانية ، ولا يحبذها أدب الاسلام المقدس ،
أيجوز لمسلم أن يسوي بين مشاهدة الأحجار وبين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في حال
حياته ؟ أيسوغ له أن لا يرى لزيارته حيا وميتا قيمة ولا كرامة ؟ ولا يعتبر لها فضلا
ما ، وينعق بذلك في الملأ الديني ؟ أليست من السيرة المطردة بين البشر أن كل ملة
من الملل تستعظم زيارة كبرائها وزعمائها ، وتراها فضلا وشرفا وتعدها للزائر
مفخرة ومحمدة ، وتكثر إليها رغبات أفرادها لما يرون فيها من الكرامة ؟ وقد جرت على
هذه سيرة العقلاء من الملل والنحل ، وعليه تصافقت الأجيال في أدوار الدنيا ، وكان
يقدر الناس سلفا وخلفا أعلام الدين بالزيارة والتبرك بهم ، قال أبو حاتم : كان أبو مسهر
عبد الأعلى الدمشقي الغساني المتوفى 218 : إذا خرج إلى المسجد اصطف الناس
يسلمون عليه ويقبلون يده ( 1 ) .
وقال أبو سعد : كان أبو القاسم سعد بن علي شيخ الحرم الزنجاني المتوفى 471 ،
إذا خرج إلى الحرم يخلو المطاف ويقبلون يده أكثر مما يقبلون الحجر الأسود ( 2 )
وقال ابن كثير في تاريخه 12 ص 120 : كان الناس يتبركون به ويقبلون يده أكثر
مما يقبلون الحجر الأسود .
وكان أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي المتوفى 476 كلما مر على بلدة
خرج أهلها يتلقونه بأولادهم ونساءهم يتبركون به ، ويتمسحون بركابه ، وربما
أخذوا من تراب حافر بغلته ، ولما وصل إلى ساوة خرج إليه أهلها وما مر بسوق
منها إلا نثروا عليه من لطيف ما عندهم ( 3 ) .
وكان الشريف أبو جعفر الحنبلي المتوفى ؟ 47 يدخل عليه فقهاء وغيرهم
و
هامش
( 1 ) تاريخ الخطيب البغدادي 11 ص 73 .
( 2 ) تذكرة الحفاظ للذهبي 3 ص 346 ، صفة الصفوة لابن الجوزي 2 ص 151 .
( 3 ) البداية والنهاية لابن كثير 12 ص 123 ، شذرات الذهب 3 ص 350 .