طيب السريرة خاليا من الكيد والمراوغة والدسيسة وما شابه هذه الخلائق من أدوات
العيش في مثل عصره ، فكان مستغرقا في فنه يحسب أن الشعر والعلم والثقافة وحدها
كفيلة بنجاحه وارتقائه إلى مراتب الوزارة والرئاسة ، لأنه كان في زمن يتولى فيه
الوزارة الكتاب والرواة ويجمعون في مناصبهم ألوف الألوف ويحظون بالزلفى عند
الأمراء والخلفاء ، وقد كان هو شاعرا كاتبا ، وكان خطيبا واسع الرواية مشاركا في
المنطق والفلك واللغة ، وكل ما تدور عليه ثقافة زمان ، أو كما قال المسعودي : كان الشعر
أقل أدواته . . وكان الشعر وحده كافيا لجمع المال وبلوغ الآمال ، فماذا بعد أن يعرف
الناس إنه شاعر وإنه كاتب وإنه راوية مطلع على الفلسفة والنجوم ؟ ! إلا أن
تجيه الوزارة ساعية إليه تخطب وده ، كما جاءت إلى أناس كثيرين لا يعلمون علمه ، ولا
يبلغون في البلاغة مكانه ، ألم يصل ابن الزيات إلى الوزارة بكلمة واحدة فسرها للمعتصم
وفصل له تفسيرها وهي كلمة ( الكلاء ) التي يعرفها عامة الأدباء ؟ ! بلى ، وابن الرومي
كان يعرف من غرايب اللغة ما لم يكن يعرفه شعراء عصره ولا أدباؤه ، فما أولاه إذن
بالوزارة ؟ وما أظلم الدنيا ؟ إذ هي ضنت عليه بحقه من المناصب والثراء .
فإذا لم تكن الوزارة فهل أقل من الكتابة أو العمالة لبعض الوزراء والكتاب
المبرزين ؟ ! فإذا لم يكن هذا ولا ذاك فهل غبن أصعب على النفس من هذا الغبن ؟ !
وهل تقصير من الزمان ألام من هذا التقصير ؟ !
ونبوءة أبيه ورجاؤه في مستقبله وقوله : ( أنت للشرف ) أيذهب هذا كله هباء
لا يقبض منه اليدين على شئ ؟ ! تلك النبوءات التي تنطبع على أفئدة الصغار بمثل النار ،
ولا تزال غرارة الطفولة وأحلام الصبا تزخرفها وتوشيها وتعمق في الضمير أغوارها ، أيأتي
الشباب وهي محو لغو مطموس لا يبين أولا يبين منه إلا ما ينقلب إلى الأضداد وتترجمه
الأيام بالسقم والفقر والكساد ؟ ! وكيف يمحى ؟ ! إلا وقد محى القلب الذي طبعت فيه ،
وكيف ينعكس معناه ؟ ! إلا وقد انعكس في القلب كل قائم والتوى فيه كل قويم ، ذلك
صعب على النفوس وليس بالسهل إلا على من يلهو به وهو بعيد .
وهكذا كان ابن الرومي يسأل نفسه مرة بعد مرة ويوما بعد يوم :
مالي أسل من القراب وأغمد ؟ ! * لم لا أجرد ؟ ! والسيوف تجرد
الغدير — صفحة 50
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٥٠