تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتاوى السبكي — صفحة 556

مساهمون:

ص٥٥٦
الطائر لا يطير إلا بجناحيه كذلك المؤمن لا يستقيم أمره إلا بالخوف والرجاء وقال من يرى استواءهما لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه والقائل بفضل رجحان أحدهما لا يعني به غلبته بحيث ينغمر جانب الرجاء بالكلية بل لا بد عند الجميع من ملاحظتهما واعتبارهما وحضورهما في القلب في كل حال وهما حالان من أحوال القلب ناشئان عن معرفة اسمين من أسمائه وصفتين من صفاته تعالى فالخوف ينشأ من صفة القهر وما في معناه والرجاء ينشأ من صفة الرحمة وما في معناها والمعارف في القلوب بمنزلة المياه ومواد الأراضي للأشجار والأحوال الناشئة عنها بمنزلة القوة التي تحصل في الأغصان والأزهار والأعمال التي في ظاهر البدن بمنزلة الثمار وقول الصوفية فلان صاحب حال يشيرون به إلى ما ذكرناه من الأحوال المتوسطة بين المعارف والأعمال فعلى قدر المعرفة يكون الحال وعلى قدر الحال يكون العمل وصلاح القلب بالمعارف والأحوال وصلاح البدن بالأعمال ومقام كل رجل على قدر حاله وحاله على قدر معرفته والناس متفاوتون في ذلك تفاوتا كثيرا ولا أحد أجمع لها من النبي صلى الله عليه وسلم والناس بعده على مقاماتهم فمنهم المكثر منها ومنهم المقل والخوف واجب قال الله تعالى وخافون إن كنتم مؤمنين وقال تعالى فلا تخشوا الناس واخشون والرجاء واجب لأنه ضد اليأس واليأس حرام قال الله تعالى إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وقال تعالى ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ولأن في الرجاء التصديق بوعد الله فقد تظاهرت آيات الوعد على الأعمال الصالحة كما تظاهرت آيات الوعيد على الأعمال السيئة والتصديق بوعد الله واجب فمن عبد الله بالخوف وحده بمعنى أنه لم يوجد منه رجاء البتة أو كان جانب الرجاء عنده مغمورا لا وزن له مع الخوف اقتضى له ذلك الحكم على العاصي بالانسلاخ من الرحمة والخروج من الدين وهذا رأي الحرورية وهم أول طوائف المبتدعة في هذه الملة خرجوا على خير فرقة أو حين فرقة كما أخبر فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم ذو الثدية الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وقتل بسيوف علي رضي الله عنه وكان سبب خروجهم أنه لما اتفق من علي ومعاوية بصفين ما اتفق ولم يكن