تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتاوى السبكي — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
وهؤلاء درجات أعلاها درجة الأنبياء ثم الذين يلونهم من الصديقين ثم الذين يلونهم على درجاتهم ولا يعلم تفاوتها ومقاديرها إلا الله تعالى ومن يحصل له باستدلال ولا بد من مصاحبة شيء من ذلك النور وأهل الاستدلال على مراتب لا يعلمها إلا الله تعالى أدناها ما كان على طريقة المتكلمين كالاستدلال بالجواهر والأعراض وحدث العالم ونحوه وأدلة هذا الصنف كثيرة أيضا لا يحصيها إلا الله تعالى وأحسن منها طريقة أهل الحديث من إثبات المعجزة أولا وتصديق الرسول في كل ما أخبر به وإنما كانت هذه الطريقة أحسن لأنها أقرب والشكوك التي ترد عليها أقل واندفاعها أسهل وكلتا هاتين الطائفتين أهل كلام ونظر وقدرة على التحرير والتقدير ودفع الشبهة بالتفصيل وأهل علم ومعرفة ومنهم من يستدل بدلائل الأنفس والآفاق من غير تقييد بأوضاع الجدل لا على طريقة المتكلمين ولا على طريقة أهل الحديث بل بحسب ما يترتب في ذهنه من ملكوت السماوات والأرض ودلالتها على صانعها ويعرف ذلك معرفة محققة ويقدر على تقديرها بحسب ما تيسر له وهذا أيضا من أهل العلم والمعرفة وإن لم يكن على طريقة الجدليين بل طريقة هذا أنفع وأسلم وهذه طريقة السلف ومنهم من يعرف تلك الأدلة بالإجمال دون التفصيل فيرشده إلى الجزم والتصميم ولكن لجهله بالتفصيل لا يقدر على التقدير ودفع الشبه وهذا حال كثير من العوام فإنه قد يقرر في عقولهم بما شاهدوه من ملكوت السماوات والأرض ووحدانية الله وصدق رسوله في كل ما أخبر به بحيث لا يشكون في ذلك ولم يكلفوا بأكثر من ذلك والحاصل عندهم يسمى اعتقادا ويسمى علما لقيام الدليل الإجمالي عليه وإن سماه بعض الناس تقليدا فلا مشاحة في التسمية وإن نازع في الاكتفاء به لم يلتفت إليه لقيام الإجماع من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم على تقرير العوام على ذلك بل أقول إن هذا ليس من العوام لاعتقاده الدليل الإجمالي بل هذا حال كثير من الأولياء الذين لم يمارسوا العلوم ولهذا نرى كثيرا منهم يظهر عليه من الكرامات والخوارق ما لا يرتاب فيه ولو سألته عن تقرير دليل لم يعرفه فهؤلاء