من المسلمين ولا أشار إليه أحد من العلماء المتقدمين ولا المتأخرين ولا اقتضاه كلامهم بل هو خلاف إجماع العلماء فإن عندنا العقد فاسد وصحيحه يقتضي الضمان ففاسده كذلك فهو مضمون على القابض ضمان العقود الفاسدة وعلى قاعدة مالك وأبي حنيفة وهو مقبوض بعقد صحيح فهو كالثمن المقبوض عن بيع صحيح أو كالأجرة المقبوضة عن إجارة صحيحة
والحكم فيهما أنهما مضمونان ضمان العقد فالقول في إخراج ذلك عن أحكام الضمان بالكلية قول خارج عن أحزاب الفقهاء ولا يقوله من شدا طرفا من العلم وإنما يقع على هذا وأمثاله من جمع بين أمرين أحدهما البلادة وبعد الذهن وعدم المعرفة بالشريعة وأحكامها ومداركها ومأخذها والثاني الاشتغال بالكتب المختصرة كالحاوي الصغير وأمثاله فإنه يكل ذهنه وشعبه في حل ألفاظه من غير احتواء على حقيقة الفقه ويعتقد مع ذلك بفقه فيقع في أمثال هذا وكتاب الحاوي المذكور وأمثاله كتب حسنة مليحة جيدة ينتفع بها في استحضار مسائل الفقه والإشارة إلى أحكامها من معرفة من خارج فيكون عمادا على غيره وأما إن الفقه يتناول منه فلا وغاية من يحفظه أن تحصل له فضيلة في نفسه لأفقه والفضيلة ثلاثة أقسام أحدها معرفة الأحكام الشرعية الفروعية وتناولها من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة المعتبرين ومعرفة مأخذها وهذا هو الفقه وأصحابه هم المسمون بالعلماء
والثاني معرفة العلوم الشرعية مطلقا كالتفسير والحديث وأصول الدين من غير تنزيل إلى المدارك الفقهية وأصحابه يسمون علماء
والقسم الثالث فضائل خارجة عن القسمين وهي في العلوم قريبة من الصنائع فهذه أصحابها وإن سميناهم فضلاء لا نسميهم فقهاء ولا علماء وإنما يغلط كثير من الناس فيهم يعتقدون أنهم فقهاء أو علماء لكونهم لا يفرقون بين الفضلاء والعلماء والفقهاء والمشتغلون بالحاوي خاصة من القسم الثالث
ثم بلغني بعد ذلك أن الفتوى في ذلك غيرت إلى الصورة المذكورة في هذه الورقة واستفتى عليها لعل أحدا يوافق عليها فلا أدري هل وافقه واحد عليها أو لا ولكن نقل نقل ولا أعلم صحته أن بعض الناس وافق على ذلك وظن أنها مسألة الأجير المشترك وهذا إن كان وقع جهل عظيم وبعد عن حقيقة الفقه بل عن معرفة أحوال الناس
ثم حضرت إلي هذه الورقة ومعها ورقة مثلها في السؤال وعليها جواب بخط الشخص الذي كتب أولا بعدم الضمان وسألني محضرها هل هذه تلك أو غيرها فقلت بل غيرها فإن السؤال غير السؤال والورق غير الورق ولا يشبهه وتعجبت من شخص يصدر منه هذا فإن دأب أهل العلم
فتاوى السبكي — صفحة 448
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٤٤٨