هنا يشير إلى أنه لو لم يجز إبراء لا يكفي استدامة القبض إلا بإذن جديد وهو كذلك لفساد القبض والشافعي والرافعي رحمه الله قال إنه إذا أنشأ رضا جديدا فقبضه عما عليه يحكم بصحته كما لو أذن للمشتري في أن يقبض ما في يده عن جهة الشراء وللمرتهن في قبضه عن الرهن وما ذكره من الحكم صحيح وقياسه على الشراء يوهم أنه لو لم يأذن في الشراء لا يصح وهو وجه في الحاوي والصحيح خلافه وهو المذكور في التتمة
ولنرجع إلى غرضنا قال الرافعي رحمه الله لو عجل قبل المحل على أن يبرئه عن الباقي فأخذه وأبرأه لم يصح القبض ولا الإبراء خلافا لأبي حنيفة وأحمد ولو قال السيد أبرأتك عن كذا بشرط أن تعجل الباقي أو إذا عجلت كذا فقد أبرأتك عن الباقي فعجل لم يصح القبض ولا الإبراء أيضا وإذا لم يصحا لم يحصل العتق وعلى السيد رد المأخوذ
هذا ظاهر المذهب وأشار المزني إلى تردد قول في صحة القبض والإبراء ولم يسلم له جمهور الأصحاب اختلاف القول في المسألة وحملوا التجويز على ما إذا لم يجز شرط وابتدأ به ورد صاحب الكتاب تردد القول إلى أنه إذا عجل بشرط الإبراء في السيد هل ينقلب القبض صحيحا انتهى
وليس في كلامه رحمه الله إشكال إلا إطلاقه الإبراء وكان ينبغي أن يبين صورة المسألة وأن الإبراء صدر جوابا فإن هذا الإطلاق أوهم أن الإبراء إذا تأخر عن التعجيل المشروط فيه الإبراء أو وقع مستقلا لا يصح والنووي في الروضة وافق الرافعي حرفا بحرف وفي كلام الرافعي شيء آخر وهو أن النص ومنقول المزني إنما هو فيما إذا عجل ليبرئ فظاهر كلام الرافعي أنه في ذلك وفيما إذا علق البراءة بالتعجيل أو شرطه فيها
والحامل له على ذلك أن الأصحاب جمعوا بين المسائل الثلاث والحكم فيها واحد فإذا نقل النص والمنقول في واحد فليثبت حكمهما في الأخرى فهذا تصرف والمنقول الصحيح إنما هو في الأولى كما قدمناه وهي التي قدمها في كلامه
وقد تبين بهذا أنه لم يحك أحد من الأصحاب بعد المزني في المسألة طريقين ولا قولين ولا وجهين وأن كلهم جازمون بأنه مع الشرط يبطل جزما وفي ذلك اتفاق على رد ما قاله المزني في الصورة إذا أخذ على ظاهره إلا أن يتأول على ما قاله الغزالي وليس فيه إثبات خلاف أيضا في الإبراء كما بيناه وقد يغتر بقول الرافعي والنووي هذا هو المذهب بأن في المسألة طريقين وهذا ليس بلازم بل مراده بالمذهب المنصوص الذي جرى عليه الأصحاب وحالف المزني فيه تخريجا منه وإن كان تخريجا مردودا ويحتمل أن يسلم أن في المسألة طريقين
فتاوى السبكي — صفحة 345
مساهمون: علي بن عبد الكافي السبكي
ص٣٤٥