يعني وجودها النسبيّ من حيث التعيّن ، فإنّ متعلَّق الحدوث الظهور والتعيّن لا غير .
قال - رضي الله عنه - : « كما تقول : حدث اليوم عندنا إنسان أو ضيف ولا يلزم من حدوثه أنّه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث ، لذلك قال الله - تعالى - في كلامه العزيز ، أي في إتيانه مع قدم كلامه : * ( ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوه ُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) * « 1 » * ( وَما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْه ُ مُعْرِضِينَ ) * « 2 » والرحمة « 3 » » يعني القرآن « لا يأتي إلَّا بالرحمة ، ومن أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة ، وأمّا قوله : * ( فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِه ِ ) * « 4 » * ( إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ) * « 5 » فلم يدلّ ذلك على أنّه لا ينفعهم في الآخرة ، بقوله في الاستثناء * ( إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ) * فأراد أنّ ذلك » يعنى الإيمان « لا يرفع عنهم الأخذ في الدنيا ، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه ، هذا إن كان أمره أمر من تيقّن بالانتقال في تلك الساعة ، وقرينة الحال تعطي أنّه ما كان على يقين من الانتقال ، لأنّه عاين المؤمن « 6 » في الطريق اليبس الذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر ، فلم يتيقّن فرعون بالهلاك إذا آمن ، بخلاف المحتضر ، حتى لا يلحق به » .
يعني : لا يلحق بالمحتضر الذي يؤمن بعد تيقّنه بالهلاك .
« فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقّن بالنجاة ، فكان كما تيقّن ، لكن على غير الصورة التي أراد ، فنجّاه الله من عذاب النار « 7 » في نفسه ونجّى بدنه ، كما قال :
* ( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) * « 8 » لأنّه لو غاب بصورته ربما قال قومه
هامش
« 1 » الأنبياء ( 21 ) الآية 2 .
« 2 » الشعراء ( 26 ) الآية 5 .
« 3 » في بعض النسخ : الرحمن .
« 4 » غافر ( 40 ) الآية 85 .
« 5 » يونس ( 10 ) الآية 98 .
« 6 » في بعض النسخ : المؤمنين يمشون في الطريق .
« 7 » في بعض النسخ : عذاب الآخرة .
« 8 » يونس ( 10 ) الآية 92 .