ولا يزال عبده يعرفه ويهواه ، فلا بدّ لكلّ منهما عن الآخر كما قلنا في هذا المقام ، شعر :
فما انفكّ يرضاني بكل محبّة
وما زلت أهواه بكلّ مودّة
فممتنع عنه انفصالي وواجب
وصالي بلا إمكان بعد وقربة .
فحينئذ يعرف العبد نفسه لربّه وبه غير المعرفة المعيّنة الأولى ، وفي هذه المعرفة يضاف إليه كلّ ما يضاف إلى ربّه من الكمالات ، ويضاف إلى ربّه كلّ ما يضاف إليه من المظهريات ، فيعرف نفسه بربّه بعد معرفته ربّه بنفسه طردا وعكسا ، جمعا وفرادى ، دائما أبدا ، فيعرف ربّه ونفسه من حيث ربّه لا من حيث هو ، وكان يعرف ربّه من حيث نفسه لا من حيث ربّه ، فحصل له الجمع بين المعرفتين ، والتحقّق بالحسنيين .
قال - رضي الله عنه - :
« فأنت عبد وأنت ربّ
لمن له فيه أنت عبد
وأنت ربّ وأنت عبد
لمن له في الخطاب عهد »
أنت عبد له من حيث ظهور سلطانه عليك ، وأنت ربّ له من حيث ظهور سلطانك به على من دونك وعليه أيضا من حيث إجابته لسؤالك ، فما أنت على كل حال إلَّا تعيّنا من تعيّناته وتجلَّيا من تجلَّياته ، وأنت ربّ أيضا من حيث ظهور الربوبية بك وفيك لربّ خاطبك بخطاب * ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) * « 1 » فقلت : بلى بين العباد الراضين بربوبيته ، المرضيّين عنده حين قالوا ما قلت ، فنالوا ما نلت ، وما توجّه الخطاب من الأحديّ الذات إليك خاصّة .
قال - رضي الله عنه - :
فكلّ عقد عليه شخص
يحلَّه من « 2 » سواه عقد
فإنّ عبد اللطيف والرؤوف على عقد وعزيمة يحلّ العقد والعزيمة - التي عليه - القهّار والمعذّب ، وعبد الظاهر على اعتقاد وعلم يحلَّه عبد الباطن ، وهكذا بين جميع
هامش
« 1 » الأعراف ( 7 ) الآية 172 .
« 2 » تجوز قراءته بكسر الميم وفتحها .