وأنّى الانفصال « 1 » والافتراق والحقيقة الكلية مقتضية للاتّصال والاتّفاق والائتلاف والاعتناق ؟ * ( وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناه ُ طائِرَه ُ في عُنُقِه ِ ) * « 2 » ، فإذا قامت قيامة التفصيل ، وتمّت مقامات التوصيل والتحصيل ، وبعثرت قبور النشور ، وبسطت أرض الحشر والنشور ، فيوم القيامة يلقاه كتابا منشورا ، سنذكر ما يبقى من تتمّة هذا السرّ في الموضع الأليق به ، إن شاء الله تعالى .
وأمّا قوله :
فإن ذكرت غنيّا لا افتقار به
فقد عرفت « 3 » الذي من قولنا نعني
فإنّه - رضي الله عنه - يشير إلى الغنى الذاتي الحقيقي الأحدي ، القاهر أعيان الأغيار ، والموجد كثرة النظراء والنظَّار « كان الله ولا شيء معه » * ( هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ) * لم يوجب من حيث ذاته الغنيّة معنى الإنتاج والإيجاد ، ولا يقتضي الإظهار والإشهاد لأنّه بالذات كامل أبدا الآباد * ( وَلَمْ يُولَدْ ) * لم ينتج من أصل مقدمات منتجة * ( وَلَمْ يَكُنْ لَه ُ ) * « 4 » لا يكون للهوية الكبرى المحيطة بالكلّ مثل ولا كفؤ من أحد معيّن ، فافهم .
قال - رضي الله عنه - : « فقد علمت حكمة نشأة « 5 » جسد آدم أعني صورته الظاهرة » .
التي هي أحدية جمع جميع الحقائق المظهرية الخلقية روحانيّتها العقلية والنفسيّة ، وجسمانيّتها الطبيعية والعنصرية والمثالية والبرزخية والحشرية « وقد علمت نشأة روحانيّة آدم « 6 » ، أعنى صورته الباطنة ، فهو الحق الخلق » أي باطنه حق ، وظاهره خلق . « وقد علمت نشأة رتبته وهي المجموع الذي به استحقّ الخلافة . فآدم هو النفس الواحدة التي خلق منها هذا النوع الإنساني ، وهو قوله : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ من
هامش
« 1 » م : وأنّ الانفصال والافتراق .
« 2 » الإسراء ( 17 ) الآية 13 .
« 3 » الواقع في كلامه : علمت .
« 4 » الإخلاص ( 112 ) الآيات 1 - 4 .
« 5 » في بعض النسخ : حكم نشأة آدم .
« 6 » في بعض النسخ : نشأة روح آدم .