فأشار إلى العلم بأحدية الطريق الأمم . والطريق الأمم في مذهبه هو الطريق الواحد المستقيم الذي تؤدي إليه الأديان كلها مهما اختلفت عقائدها وتعددت مذاهبها ، وليس هذا الطريق سوى وحدة الوجود ووحدة المعبود . إذ ليس في الوجود سوى الله وآثاره ، ولا معبود إلا هو مجلى من مجالي المعبود على الإطلاق ، المحبوب على الإطلاق ، الجميل على الإطلاق وهو الله . هذا هو دين الحب الذي أشار إليه ابن عربي في قوله :
أدين بدين الحب أنَّى توجهت * ركائبه فالدين ديني وإيماني
وفيه يقول أيضاً :
عقد الخلائق في الإله عقائداً * وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه
« ممد الهمم من خزائن الجود والكرم » .
المراد بالهمة الإرادة وهي الإقبال بالنفس في حال جمعيتها والتوجه إلى الله والتهيؤ لقبول فيضه . فأحوال الصوفية أحوال إرادية لا صلة لها بالإدراك العقلي المنطقي ، والفيض يمد همة الصوفي لا عقله . أما المراد بخزائن الجود والكرم فقد يكون أحد أمرين :
الأول : العلم الباطن أو الغيبي الذي قال الصوفية إنه يفيض عليهم من مشكاة خاتم الرسل ، وبذلك يكون محمد صلى الله عليه وسلم أو الحقيقة المحمدية أو روح محمد مبدأ كل كشف وإلهام ومصدر كل علم باطني ، وهذه بالفعل ناحية من نواحي نظرية ابن عربي في الكلمة .
الثاني : أن المراد بخزائن الجود والكرم الأسماء الإلهية المتجلية في الموجودات على اختلاف أنواعها . فمحمد يمد المخلوقات بها لأنه هو وحده المظهر الكامل لها جميعها - وبذلك استحق اسم عبد الله ، والله اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية - ولأن محمداً أو حقيقة محمد واسطة الخلق وحلقة الاتصال بين الذات الإلهية والمظاهر الكونية . فهو بمثابة العقل الأول في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة وبمثابة المسيح في الفلسفة المسيحية وبمثابة « المطاع » في فلسفة الغزالي . هذه أيضاً ناحية من نواحي نظرية المؤلف في « الكلمة » .
فصوص الحكم — صفحة 5
مساهمون: ابن عربي
ص٥