21 - فص حكمة مالكية في كلمة زكرياوية
اعلم أن رحمة الله وسعت كل شيء وجوداً وحكماً ، وأن وجود الغضب من رحمة الله بالغضب . فسبقت رحمته غضبه أي سبقت نسبة الرحمة إليه نسبة الغضب إليه . ولما كان لكل عين وجود يطلبه من الله ، لذلك عمت رحمته كل عين ، فإنه برحمته التي رحمه بها قَبِلَ ( 1 ) رغْبته في وجود عينه ، فأوجدها .
فلذلك قلنا إن رحمة الله وسعت كل شيء وجوداً وحكماً . والأسماء الإلهية من الأشياء ، وهي ترجع إلى عين واحدة . فأول ما وسعت رحمة الله شيئية تلك العين الموجدة ( 2 ) للرحمة بالرحمة ، فأول شيء وسعته الرحمة نَفْسُها ثم الشيئية المشار إليها ، ثم شيئية كل موجود يوجد إلى ما لا يتناهى دنيا وآخرة ، وعرضاً وجوهراً ، ومركَّباً وبسيطاً . ولا يعتبر فيها حصول غرض ولا ملاءمة طبع ، بل الملائم وغير الملائم كله وسعته الرحمة الإلهية وجوداً . وقد ذكرنا في الفتوحات ( 3 ) أن الأثر لا يكون إلا للمعدوم لا للموجود ، وإن كان للموجود فبحكم المعدوم : وهو علم غريب ومسألة نادرة ، ولا يعلم تحقيقها ( 4 ) إلا أصحاب الأوهام ، فذلك بالذوق عندهم . وأما من لا يؤثر الوهم فيه فهو بعيد عن هذه المسألة .
فرحمة الله في الأكوان سارية * وفي الذوات وفي الأعيان جارية
مكانة الرحمة المثلى إذا علمت * من الشهود مع الأفكار عالية
هامش
( 1 ) « إذ قبل » في المخطوطات الثلاثة - وإذ لا وجود لها في جميع نسخ الشروح التي بين يدي . فالمعنى على وجود إذ : فإنه برحمته التي رحمه بها : أي موجود برحمته إلخ ، وإذ قيل تعليل لوجوده وعلى حذفها يكون المعنى : فإنه برحمته التي رحمه بها قبل رغبته
( 2 ) ن : الموجودة .
( 3 ) الفتوحات المكية للمؤلف
( 4 ) ب : بحقيقتها .