وهو « الظَّاهِرُ » بتغير الأحكام والأحوال ، « والْباطِنُ » بالتدبير ، « وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » فهو على كل شيء شهيد ، ليعْلَم عن شهود لا عن فكر .
فكذلك علم الأذواق لا عن فكر ( 1 ) وهو العلم الصحيح وما عداه فحدس وتخمين ليس بعلم أصلًا . ثم كان لأيوب عليه السلام ذلك الماء شراباً لإزالة ألم العطش الذي هو من النُّصْبِ والعذاب الذي مسه به الشيطان ، أي البعد عن الحقائق أن يدركها على ما هي عليه فيكون بإدراكها في محل القرب . فكل مشهود قريب من العين ولو كان بعيداً بالمسافة . فإن البصر يتصل به من حيث شهوده ولولا ذلك لم يشهده ، أو يتصل المشهود بالبصر كيف كان . فهو قرب بين البصر والمبصَر . ولهذا كنَّى أيوب في المس ، فأضافه إلى الشيطان مع قرب المس فقال البعيد مني قريب لحكمه ( 2 ) في .
وقد علمت أن البعد والقرب أمران إضافيان ، فهما نسبتان لا وجود لهما في العين مع ثبوت أحكامها في البعيد والقريب . واعلم أن سر الله في أيوب الذي جعله ( 3 ) عبرة لنا وكتاباً مسطوراً حالياً ( 4 ) تقرؤه هذه الأمة المحمدية لتعلم ما فيه فتلحق بصاحبه تشريفاً لها . فأثنى الله عليه - أعني على أيوب - بالصبر مع دعائه في رفع الضر عنه .
فعلمنا أن العبد إذا دعا الله في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره وأنه صابر وأنه نعم العبد كما قال تعالى « إِنَّه أَوَّابٌ » أي رجاع إلى الله لا إلى الأسباب ، والحق يفعل عند ذلك بالسبب لأن العبد يستند ( 5 ) إليه ، إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة والمسبِّب واحد العين . فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى من الرجوع إلى سبب خاص ربما لا يوافق ( 6 ) علم الله فيه ، فيقول إن الله لم .
هامش
( 1 ) « لا عن فكر » ساقطة في ن
( 2 ) ن : بحكمة
( 3 ) ا : جعله اللَّه
( 4 ) ا : ساقطة . ب : خالياً - وهي بالحاء نسبة إلى الحال أي أيوب
( 5 ) ب : يسند
( 6 ) ب : لا يوافق ذلك .