ابتدأت إثارة هذا البحث في الديون والمهور ممّا يتعارف فيها التأخير في الدفع
والأداء ، فقد يقدّر للمهر بنقد معيّن يعادل شراء بيت أو أرض ، وبعد مدّة مديدة حينما يدفع ويستوفى بعد ثلاثين سنة - مثلاً - فلا يشتري به إلاّ سلعة رخيصة جدّاً لا تساوي عُشر قيمة البيت ، فهل يكون الزوج ضامناً لهذا الفارق القيمي .
وكذا الحال في الديون الميّتة ، أي التي طالت مدّتها جدّاً ، وفي تلك المدّة الطويلة اختلفت القوّة الشرائيّة بفارق شاسع ، فهل يكون المدين ضامناً لهذا الفارق ؟ لأنّه إجحاف في حقّ الدائن ، بل إنّا نرى في يومنا أنّ الفارق في قيمة النقد لا يحتاج إلى مرور أعوام ، بل من خلال شهور - وربّما أيّام - نرى فرقاً فاحشاً فيها ، فإنّ الدولة التي تعطي اعتبار الماليّة لنقد معيّن قد تتلاعب كثيراً بقيمة النقد ، إمّا بإصدار الورق النقدي زيادة على الغطاء المنتوج والثروة الوطنيّة أو بإغراقها في بحر الديون للدول الاُخرى ، أو غير ذلك من الأسباب .
وهذه الظاهرة ليست مقتصرة على هذا الزمن ، بل كانت منذ قدم القرون الماضية أيضاً ، حيث كان المَلِك أو السلطان يعتبر الدراهم أو الدنانير ، ويجعلها سكّة ، فأمر اعتبارها أو إسقاطها بيده ; لأنّ ماليّتها غير ناشئة من المائدة فقط ، بل لها من جهة ضرب السكّة أيضاً . وقد اُشير إلى هذه الظاهرة في الروايات ، حيث كانت عشرة دراهم تقابل ديناراً واحداً ، وبتغيّر الظروف تتغيّر هذه المعادلة ، فتقابل ثمانية دراهم بدينار واحد انخفاضاً في الدينار ، أو تقابل اثني عشر درهماً صعوداً في الدينار ، بل قد فرض في بعض الروايات مقابلة ثمانية عشر درهم بدينار ، وهذا التغيير ليس بيسير ، خصوصاً
فقه المصارف والنقود — صفحة 538
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص٥٣٨