بقي في هذا الإشكال نقطة اُخرى ، وهي أنّه ما هو مقتضى القاعدة عند الشكّ في أنّ العملة وثيقة أو نقد لها ماليّة ؟ وعند الشكّ في أنّ الغطاء متمحّض في الذهب أو تنضمّ إليه أشياء اُخرى ؟
قيل : إنّ مقتضى القاعدة هي الصحّة ; لأصالة الصحّة واستصحاب عدم المخصّص لعموم * ( وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) * ( 1 ) غير الربا البيعي ، أي ثبت خروج الربا البيعي من هذا العموم بالدليل فيبقى الباقي .
أقول : وفي كلا الدليلين نظر : أمّا أصالة الصحّة ، فهي تجري بعد وقوع المعاملة والشكّ في الخلل ، لا حين إجراء العقد .
مضافاً إلى أنّ مجرى أصالة الصحّة هو احتمال وجود خلل في العمل ، كعدم الموالاة في الصلاة ، وعدم صحّة اللفظ في الإنشاء ، ولا تجري عند الشكّ في موضوع المعاملة كالشكّ في ماهيّة نفس المبيع ، هل له ماليّة أو لا ؟
ولا عند الشكّ في كون العوضين أو المتعاقدين واجدين لشرائط الصحّة ;
لأنّ دليل هذا الأصل هو بناء العقلاء ، وذلك البناء غير موجود في هذه الموارد .
وأمّا استصحاب عدم المخصّص فهو لا بدّ أن يكون من باب استصحاب العدم الأزلي ، لا عدم الحالة السابقة ; لأنّ العملة إمّا أن تكون وثيقة عند إنشائها واعتبارها ، أو نقداً لها ماليّة بالذات ، فليست لها حالة سابقة حتّى تستصحب ، فلا بدّ من استصحاب العدم الأزلي ، وفي جريانه خلاف ، وإن كان الصحيح عندنا جريانه ، ولكن مع ذلك لا يفيد في ما نحن فيه ; لأنّ الثابت في محلّه أنّ جريانه متوقّف على ما إذا كان المخصّص غير منوّع للعام ، وأمّا إذا كان منوّعاً للعام فلا يجري .
توضيحه : إذا ورد دليل مفاده : « يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم كذا » ، وجاء دليل مخصّص يُخرج النساء عن العموم ، فلا يكون هذا من باب عموم خرج منه النساء ;
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 275 .