تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
قِبَلِي ، أَوْ لَا أَعْلَمُ صِحَّةَ مَا تَدَّعِيهِ ، فَتَكُونُ صُورَتُهُ صُورَةَ الْخَصْمِ الْمَطْلُوبِ . وَكَذَلِكَ الْمُبْتَدِئُ أَوَّلاً يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ صُورَتُهُ صُورَةُ الدَّعْوَى وَالطَّلَبِ ، وَلَيْسَ هُوَ مُدَّعِياً عَلَى ذَلِكَ الْآخَرِ بِشَيْءٍ ، ثُمَّ قَوْلُهُمْ جَازَ اسْتِمَاعُ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَوْلِ فِي دِينِ اللَّهِ ، أَتَرَى اللَّهَ أَجَازَ أَنْ أَسْتَمِعَ دَعْوَى وَأَجْعَلَهَا دَعْوَى صَحِيحَةً شَرْعِيَّةً قَدْ عَلِمْت بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ قَائِلَهَا لَا يَدَّعِي شَيْئاً وَلَا يَطْلُبُ مِنْ ذَلِكَ الْخَصْمِ ، وَإِنَّمَا أَتَى أَمْرُهُ بِصُورَةِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ حَقِيقَةٍ ، وَأُعَيِّنَ لَهُ مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الْوُكَلَاءِ فِي الْخُصُومَاتِ وَالدَّعَاوَى ، وَلَوْ سُلِكَتْ الطَّرِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ لَاسْتُغْنِيَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ بَابٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ ، إلَّا وَقَدْ فَتَحَهُ الشَّارِعُ لَهُمْ . وَمِنْ أَقْبَحِ الْأَشْيَاءِ احْتِجَاجُ بَعْضِ أَهْلِ الشُّرَطِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ ، بِقَوْلِ أَحَدِ الْمَلَكَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ : { إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } - الْآيَةَ وَتِلْكَ لَيْسَتْ خُصُومَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ثُبُوتٌ ، أَوْ حُكْمٌ فِي دَمٍ ، أَوْ مَالٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِثْلُ ضَرْبٍ لِتَفْهِيمِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلِلْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ الْخُصُومَاتِ الْمَضْرُوبَةِ أَمْثَالاً مَا شَاءَ . أَمَّا تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا وَذِكْرُ أَنَّ أَصْحَابَهَا خَصْمٌ مُحَقَّقٌ أَجَازَ الشَّارِعُ اسْتِمَاعَ الدَّعْوَى مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يَحِلُّ قَوْلُهُ . وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْكَذِبَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْلَمَ . وَمِنْ الْحِيَلِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي لَا أَعْلَمُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الطَّوَائِفِ خِلَافاً فِي تَحْرِيمِهَا أَنْ يُرِيدَ الرَّجُلُ أَنْ يَقِفَ شَيْئاً عَلَى نَفْسِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى جِهَاتٍ مُتَّصِلَةٍ ، فَيَقُولُونَ لِلرَّجُلِ : أَقِرَّ أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ الَّذِي بِيَدِك وَقْفٌ عَلَيْك مِنْ غَيْرِك ، وَيُعَلِّمُونَهُ الشُّرُوطَ الَّتِي يُرِيدُ إنْشَاءَهَا فَيَجْعَلُونَهَا إقْرَاراً . فَيُعَلِّمُونَهُ الْكَذِبَ فِي الْإِقْرَارِ ، وَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِهِ ، وَيَحْكُمُونَ بِصِحَّتِهِ ، وَلَا يَسْتَرِيبُ مُسْلِمٌ فِي أَنَّ هَذَا حَرَامٌ ، فَإِنَّ الْإِقْرَارَ شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَكَيْفَ يُلَقَّنُ شَهَادَةَ زُورٍ ، ثُمَّ إنْ كَانَ وَقْفُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بَاطِلاً فِي دِينِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَقَدْ عَلَّمْنَاهُ حَقِيقَةَ الْبَاطِلِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ وَقْفاً قَبْلَ الْإِقْرَارِ ، وَلَا صَارَ وَقْفاً بِالْإِقْرَارِ بِالْكَذِبِ ، فَيَصِيرُ الْمَالُ حَرَاماً عَلَى مَنْ يَتَنَاوَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنْ كَانَ وَقْفُهُ صَحِيحاً ، فَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ تَكَلُّفِ الْكَذِبِ بَلْ لَوْ وَقَفَهُ