تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
فِيهِ . يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ حِلَّ الْبُضْعِ مَشْرُوطٌ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْعَقْدِ وَالشَّهَادَةُ وَقَعَتْ عَلَى مَا أَظْهَرَاهُ فَيَكُونُ وُجُوبُ الْمَشْهُودِ بِهِ شَرْطاً فِي الْحِلِّ . فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ عُقُودِ الْهَزْلِ وَالتَّلْجِئَةِ قَدْ يُعَارَضُ بِمَا يَصِحُّ مِنْهَا عَلَى قَوْلِنَا : إنَّ الْمَقَاصِدَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ فَإِنَّهَا تَصِحُّ مَعَ عَدَمِ قَصْدِ الْحُكْمِ ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَحْقِيقُ مَا مَهَّدْنَاهُ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ . فَنَقُولُ : الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ . أَحَدُهَا : أَنَّ السُّنَّةَ وَأَقْوَالَ الصَّحَابَةِ فَرَّقَتْ بَيْنَ قَصْدِ التَّحْلِيلِ وَبَيْنَ نِكَاحِ الْهَازِلِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَا السُّنَّةَ وَالْآثَارَ الدَّالَّةَ عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِ الْهَازِلِ ، ثُمَّ السُّنَّةُ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ نُصُوصٌ فِي أَنَّ قَصْدَ التَّحْلِيلِ مَانِعٌ مِنْ حِلِّهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ الْفَرْقُ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَعَ السُّنَّةِ ، وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ مِنْ أَجْوَدِ الْحِيَلِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا فَإِذَا بَطَلَ فَمَا سِوَاهُ مِنْ الْحِيَلِ أَبْطَلُ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْهَزْلَ لَا يَقْدَحُ فِي اعْتِبَارِ الْقَصْدِ لِئَلَّا تَتَنَاقَضَ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ . الثَّانِي : إنَّمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَصْدَ مُعْتَبَرٌ فِي ، الْعُقُودِ وَمُؤَثِّرٌ فِيهَا ، وَلَمْ نَقُلْ إنَّ عَدَمَ الْقَصْدِ مُؤَثِّرٌ فِيهَا ، وَالْهَازِلُ وَنَحْوُهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ قَصْدٌ يُخَالِفُ مُوجَبَ الْعَقْدِ ، وَلَكِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُمْ الْقَصْدُ إلَى مُوجَبِ الْعَقْدِ . وَفَرْقٌ بَيْنَ عَدَمِ قَصْدِ الْحُكْمِ وَبَيْنَ وُجُودِ قَصْدِ ضِدِّهِ . وَهَذَا ظَاهِرٌ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا مِنْ قَصْدِ التَّكَلُّمِ ، وَإِرَادَتِهِ . فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْكَلِمَةَ صَدَرَتْ مِنْ نَائِمٍ ، أَوْ ذَاهِلٍ ، أَوْ قَصَدَ كَلِمَةً فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِأُخْرَى ، أَوْ سَبَقَ بِهَا لِسَانُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَى مِثْلِ هَذَا حُكْمٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ قَطُّ ، وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ . وَالْكَلَامُ يَكُونُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ عَمَلِ اللِّسَانِ وَحَرَكَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ نَفْسُ الْحَرَكَةِ الْمُقْتَضِيَةِ تُسَمَّى كَلَاماً أَيْضاً . فَإِذَا عَمِلَهُ لَمْ يَقْصِدْ مُوجَبَهُ وَمُقْتَضَاهُ كَانَ هَازِلاً لَاعِباً ، فَإِنَّهُ عَمِلَ عَمَلاً لَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئاً مِنْ فَوَائِدِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَمْ يَقْصِدْ مَا يُنَافِي فَوَائِدَهُ الشَّرْعِيَّةَ ، فَهُنَا أَمْكَنَ تَرَتُّبُ الْفَائِدَةِ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ تَرَتُّباً شَرْعِيّاً لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ ، وَإِذَا قَصَدَ الْمُنَافِيَ فَقَدْ عَارَضَ الْمُقْتَضِيَ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُقْتَضِياً ، فَكَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا الْوَجْهِ .