تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
الْهَزْلُ فِيهِ ، فَإِذَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ فِيهِ رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَى كَلَامِهِ وَحُكْمِهِ . وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ هُوَ الْحُكْمَ بِحُكْمِ وِلَايَةِ الشَّارِعِ عَلَى الْعَبْدِ ، فَالْمُكَلَّفُ قَصَدَ الْقَوْلَ وَالشَّارِعُ قَصَدَ الْحُكْمَ لَهُ فَصَارَ الْجَمِيعُ مَقْصُوداً . وَفِي الْجُمْلَةِ فَهَذَا لَا يَنْقُضُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْقَصْدَ فِي الْعُقُودِ مُعْتَبَرٌ ؛ لِأَنَّا إنَّمَا قَصَدْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ لَا يُصَحِّحُ بَعْضَ الْأُمُورِ إلَّا مَعَ الْعَقْدِ ، وَبَعْضُ الْأُمُورِ يُصَحِّحُهَا إلَى أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا قَصْدٌ يُخَالِفُ مُوجَبَهَا ، وَهَذَا صَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا قَدْ تَبَيَّنَ ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ إمَّا بَطَلَ ؛ لِأَنَّ النَّاكِحَ قَصَدَ مَا يُنَاقِضُ النِّكَاحَ ، لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُهُ لَهَا وَسِيلَةً إلَى رَدِّهَا إلَى الْأَوَّلِ ، وَالشَّيْءُ إذَا فُعِلَ لِغَيْرِهِ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ ذَلِكَ الْغَيْرَ لَا إيَّاهُ ، فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بِنِكَاحِهَا أَنْ تَكُونَ مَنْكُوحَةً لِلْغَيْرِ لَا أَنْ تَكُونَ مَنْكُوحَةً لَهُ . وَهَذَا الْقَدْرُ يُنَافِي قَصْدَ أَنْ تَكُونَ مَنْكُوحَةً لَهُ ، إذْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَنَافٍ ، وَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ أَنْ تَكُونَ مَنْكُوحَةً لَهُ بِحَالٍ حَتَّى يُقَالَ : قَصَدَ أَنْ تَكُونَ مَنْكُوحَةً لَهُ فِي وَقْتٍ وَلِغَيْرِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ يُشْبِهُ قَصْدَ الْمُتْعَةِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ ، وَلِهَذَا لَوْ فَعَلَهُ فَقَدْ قِيلَ هُوَ كَقَصْدِ التَّحْلِيلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا كَمَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُهُ بِمَنْ لَمْ يَقْصِدْ مَا يُنَافِي النِّكَاحَ فِي الْحَالِ ، وَلَا فِي الْمَآلِ بِوَجْهٍ ، مَعَ كَوْنِهِ قَدْ أَتَى بِالْقَوْلِ الْمُتَضَمِّنِ فِي الشَّرْعِ لِقَصْدِ النِّكَاحِ ، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا التَّلْجِئَةُ : فَاَلَّذِي ، عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُمَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَتَبَايَعَا شَيْئاً بِثَمَنٍ ذَكَرَاهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَلْجِئَةً لَا حَقِيقَةَ مَعَهَا ، ثُمَّ تَعَاقَدَا الْبَيْعَ قَبْلَ أَنْ يُبْطِلَا مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ ، فَالْبَيْعُ تَلْجِئَةٌ وَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ لَمْ يَقُولَا فِي الْعَقْدِ قَدْ تَبَايَعْنَاهُ تَلْجِئَةً . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ يُحِلُّهَا لِلْأَوَّلِ لَمْ يَصِحَّ هَذَا النِّكَاحُ . وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ عِنَبَهُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْصِرُهُ خَمْراً ، وَقَالَ : وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ - إذَا أَقَرَّ لِامْرَأَةٍ بِدَيْنٍ فِي مَرَضِهِ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَمَاتَ وَهِيَ وَارِثَةٌ فَهَذِهِ قَدْ أَقَرَّ لَهَا وَلَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ تَلْجِئَةً فَيُرَدُّ ، وَنَحْوَ هَذَا نَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيِّ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 66 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا