تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 617

مساهمون:

ص٦١٧
قَالَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ الْعَبَّاسِ الرُّسْتُمِيُّ : حَكَى لَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ الْفَقِيهُ قَالَ : دَخَلْنَا عَلَى الْإِمَامِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ نَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِنَيْسَابُورَ ، فَأُقْعِدَ ، فَقَالَ لَنَا : اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنِّي رَجَعْت عَنْ كُلِّ مَقَالَةٍ قُلْتهَا أُخَالِفُ فِيهَا مَا قَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ، وَأَنِّي أَمُوتُ عَلَى مَا يَمُوتُ عَلَيْهِ عَجَائِزُ نَيْسَابُورَ . وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ سَلَكُوا خَلْفَهُ مِنْ تَلَامِذَتِهِ وَتَلَامِذَةِ تَلَامِذَتِهِ وَتَلَامِذَةِ تَلَامِذَةِ تَلَامِذَتِهِ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ . وَلِقِلَّةِ عِلْمِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ سَلَفِ الْأُمَّةِ يَظُنُّ أَنَّ أَكْثَرَ الْحَوَادِثِ لَيْسَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا يُعْلَمُ حُكْمُهَا بِالْقِيَاسِ ، كَمَا يَذْكُرُ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِالنُّصُوصِ وَدَلَالَتِهَا عَلَى الْأَحْكَامِ عَلِمَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَأَمْثَالِهِ : إنَّ النُّصُوصَ تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ الْحَوَادِثِ ، أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، وَإِنْ كَانَ فِي طَرِيقَةِ هَؤُلَاءِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ بَعْضِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا قَدْ يُسَمَّى قِيَاساً جَلِيّاً ، وَقَدْ يُجْعَلُ مِنْ دَلَالَةِ مِثْلِ فَحْوَى الْخِطَابِ وَالْقِيَاسِ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَمِثْلِ الْجُمُودِ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ الضَّعِيفِ ، وَمِثْلِ الْإِعْرَاضِ عَنْ مُتَابَعَةِ أَئِمَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَا هُوَ مَعِيبٌ عَلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْقَدْحُ فِي أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ ، لَكِنْ الْغَرَضُ أَنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ فِي اسْتِيعَابِ النُّصُوصِ لِلْحَوَادِثِ ، وَأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَدْ بَيَّنَ لِلنَّاسِ دِينَهُمْ هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يُبَيِّنْ لِلنَّاسِ حُكْمَ أَكْثَرِ مَا يَحْدُثُ لَهُمْ مِنْ الْأَعْمَالِ ، بَلْ وَكَّلَهُمْ فِيهَا إلَى الظُّنُونِ الْمُتَقَابِلَةِ وَالْآرَاءِ الْمُتَعَارِضَةِ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا كُلِّهِ ضَعْفُ الْعِلْمِ بِالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ وَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ لِأَبِي الْمَعَالِي وَأَمْثَالِهِ بِذَلِكَ عِلْمٌ رَاسِخٌ ، وَكَانُوا قَدْ عَضُّوا عَلَيْهِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ لَكَانُوا مُلْحَقِينَ بِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ لِأَسْبَابِ الِاجْتِهَادِ ، وَلَكِنْ اتَّبَعَ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ وَالرَّأْيِ الضَّعِيفِ لِلظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ، الَّذِي يَنْقُضُ صَاحِبَهُ إلَى حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ مُسْتَحِقّاً لِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي تِلْكَ الطَّرِيقَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ ، فَلَيْسَ الْفَضْلُ بِكَثْرَةِ الِاجْتِهَادِ وَلَكِنْ بِالْهُدَى وَالسَّدَادِ ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ : { مَا ازْدَادَ مُبْتَدِعٌ اجْتِهَاداً إلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْداً } وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَوَارِجِ : يَحْقِرُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 617 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا