أَصْلاً بَلْ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ هَذَا الْمَعْنَى بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ .
نَعَمْ يَشْتَرِكَانِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَلَاماً لِلْمُتَكَلِّمِ وَهَذَا كَاشْتِرَاكِ الْحَيَاتَيْنِ فِي أَنَّ هَذِهِ حَيَاةٌ وَهَذِهِ حَيَاةٌ ، وَاشْتَرَاك الْمَوْجُودَيْنِ فِي أَنَّ هَذَا وُجُودٌ وَهَذَا وُجُودٌ وَهَذَا الِاشْتِرَاكُ لَا يَقْتَضِي أَنَّ أَحَدَهُمَا هُوَ الْآخَرَ فِي الْخَارِجِ أَصْلاً ، فَكَذَلِكَ مَعَانِي هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لَا تَقْتَضِي أَنَّ إحْدَاهَا هِيَ الْأُخْرَى فِي الْخَارِجِ أَصْلاً وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ الْبَدِيهِيَّةِ وَفَهْمُهُ سَهْلٌ عَلَى مَنْ تَدَبَّرَهُ وَمَنْ جَحَدَ هَذَا كَانَ مِنْ أَظْهَرِ الْجَاحِدِينَ لِلْمَعَارِفِ الْفِطْرِيَّةِ الضَّرُورِيَّةِ وَإِنْ سَقَطَتْ مُكَالَمَةُ أَحَدٍ لِسَفْسَطَتِهِ فَهَذَا أَحَقُّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِهَذَا وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِاَلَّذِي بَعْدَهُ وَهُوَ : الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ : وَهُوَ قَوْلُهُمْ : كَذَلِكَ نَقُولُ فِي الْكَلَامِ إنَّهُ وَاحِدٌ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا هُوَ بِلُغَةٍ مِنْ اللُّغَاتِ وَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ أَوْ فَارِسِيٌّ أَوْ عِبْرَانِيٌّ لَكِنْ الْعِبَارَاتُ عَنْهُ تَكْثُرُ وَتَخْتَلِفُ فَإِذَا قُرِئَ كَلَامُ اللَّهِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ سُمِّيَ قُرْآناً وَإِذَا قُرِئَ بِلُغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ أَوْ السُّرْيَانِيَّةِ سُمِّيَ تَوْرَاةً أَوْ إنْجِيلاً فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ أَفْسَدِ مَا يُعْلَمُ فَبَدِيهَةُ الْعَقْلِ فَسَادُهُ ، وَهُوَ كُفْرٌ إذَا فَهِمَهُ الْإِنْسَانُ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَرَّ عَلَى الْكُفْرِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُقْرَأُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَقَدْ يُتَرْجَمُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ أَوْ الْفَارِسِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَلْسُنِ وَمَعَ هَذَا إذَا تُرْجِمَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ لَمْ يَكُنْ هُوَ التَّوْرَاةَ وَلَا مِثْلَ التَّوْرَاةِ وَلَا مَعَانِيهِ مِثْلُ مَعَانِي التَّوْرَاةِ وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ تُقْرَأُ بِالْعِبْرِيَّةِ وَتُتَرْجَمُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَتْ مِثْلَ الْقُرْآنِ وَلَا مَعَانِيهَا مِثْلَ مَعَانِي الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يُقْرَأُ بِعِدَّةِ أَلْسُنٍ وَهُوَ فِي ذَلِكَ مَعَانِيهِ لَيْسَتْ مَعَانِيَ التَّوْرَاةِ وَالْقُرْآنِ ، فَهَلْ يَقُولُ مَنْ لَهُ عَقْلٌ أَوْ دِينٌ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ مُطْلَقاً إذَا قُرِئَ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ هُوَ الْقُرْآنَ ، أَوْ لَيْسَ يَلْزَمُ صَاحِبَ هَذَا أَنْ تَكُونَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إذَا فُسِّرَا بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَا هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ، بَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي يَرْوِيهَا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى مِثْلُ قَوْلِهِ : { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ } وَقَوْلِهِ : { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إذَا دَعَانِي } وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا كَلَامٌ عَرَبِيٌّ مَأْثُورٌ عَنْ اللَّهِ وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَ قُرْآناً وَلَا مِثْلَ الْقُرْآنِ لَا لَفْظاً وَلَا مَعْنًى .
فَكَيْفَ يُقَالُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إذَا قُرِئَا بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآناً ، وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 571
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٧١