الضَّرُورَةِ فَإِنَّ مَنْ اعْتَرَفَ بِوُقُوعِ شَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِأَوَّلِيَّتِهِ .
فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ لَا أَوَّلَ لِمَا لَهُ أَوَّلُ سَقَطَتْ مُكَالَمَتُهُ وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ تَكَلَّمَ بِالْحُرُوفِ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَلَا تَعَاقُبٍ فِيهَا فَيُقَالُ لَهُمْ الْحُرُوفُ أَصْوَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا شَكَّ فِي اخْتِلَافِهَا وَقَدْ اعْتَرَفَ خُصُوصاً بِاخْتِلَافِهَا وَزَعَمُوا أَنَّ لِلَّهِ ضُرُوباً مِنْ الْكَلَامِ مُتَغَايِرَةً مُخْتَلِفَةً عَلَى اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَالْمَقَاصِدِ فِي الْعِبَارَاتِ وَكُلُّ صَوْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ الْأَصْوَاتِ مُتَضَادَّانِ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْمَحِلِّ الْوَاحِدِ وَقْتاً وَاحِداً كَمَا يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُ كُلِّ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ الْأَلْوَانِ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ وَيَكْشِفُهُ أَنَّا كَمَا نَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ قِيَامِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ جَمِيعاً .
فَكَذَلِكَ نَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ صَوْتٍ خَفِيضٍ وَصَوْتٍ جَهُورِيٍّ بِمَحِلٍّ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ جَمِيعاً ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ فِيهِ وَالْمُخْتَلِفُ مِنْ الْأَصْوَاتِ يَتَضَادُّ كَمَا أَنَّ الْمُخْتَلِفَ مِنْ الْأَلْوَانِ يَتَضَادُّ وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ وَمُتَّصِفٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ مُتَقَدِّسٌ عَنْ التَّجَزُّؤِ وَالتَّبَعُّضِ وَالتَّعَدُّدِ وَالتَّرْكِيبِ وَالتَّأَلُّفِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا قُلْنَاهُ اسْتَحَالَ قِيَامُ أَصْوَاتٍ مُتَضَادَّةٍ بِذَاتٍ مَوْصُوفَةٍ بِحَقِيقَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ .
وَهَذَا مَا لَا مَخْلَصَ لَهُمْ مِنْهُ .
فَإِنْ تَعَسَّفَ مِنْ الْمُقَلَّدِينَ مُتَعَسِّفٌ وَأَثْبَتَ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ جِسْماً مُرَكَّباً مِنْ أَبْعَاضٍ مُتَأَلِّفاً مِنْ جَوَارِحَ نَقْلنَا الْكَلَامَ مَعَهُ إلَى إبْطَالِ التَّجْسِيمِ وَإِيضَاحِ تَقَدُّسِ الرَّبِّ عَنْ التَّبْعِيضِ وَالتَّأْلِيفِ وَالتَّرْكِيبِ ، فَيُقَالُ لَهُ هَذَا بِعَيْنِهِ وَأَرُدُّ عَلَيْك فِيمَا أَثْبَتَهُ مِنْ الْمَعَانِي ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ ، فَإِنَّ الَّذِي نَعْلَمُهُ بِالضَّرُورَةِ فِي الْحُرُوفِ نَعْلَمُ نَظِيرَهُ بِالضَّرُورَةِ فِي الْمَعَانِي ، فَالْمُتَكَلِّمُ مِنَّا إذَا تَكَلَّمَ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ يَنْطِقُ بِالِاسْمِ الْأَوَّلِ لَفْظاً وَمَعْنًى قَبْلَ الثَّانِي ، فَيُقَالُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي نَظِيرَ مَا قَالَهُ فِي الْحُرُوفِ .
فَيُقَالُ مَنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ مَعْنَى اسْمِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَعْدَ مَعْنَى بِسْمِ اللَّهِ ، وَادَّعَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَا أَوَّلَ لَهُ ، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ الْمَعْقُولِ إلَى جَحْدِ الضَّرُورَةِ ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّبَّ تَكَلَّمَ بِمَعَانِي الْحُرُوفِ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَعَاقُبٍ وَلَا تَرْتِيبٍ ، قِيلَ لَهُ مَعَانِي الْحُرُوفِ حَقَائِقُ مُخْتَلِفَةٌ ، لَا شَكَّ فِي اخْتِلَافِهَا ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِنَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَفْهُومَ مِنْ { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، لَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ الْمَفْهُومَ مِنْ { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْمَعْنَى فِي صِيَغِ الْأَمْرِ لَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى فِي صِيَغِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 542
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٤٢