يُصَرِّحُونَ بِهِ ، كَالرَّازِيِّ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَتَّبِعُوا السُّنَنَ أَوْ إجْمَاعَ السَّلَفِ فَالْجَهْمِيَّةُ أَعْظَمُ قَدْحاً فِي الْقُرْآنِ وَفِي السُّنَنِ وَفِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ .
وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ هَلْ هُمْ دَاخِلُونَ فِي الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً لَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَأْخُذُونَ بِبَعْضِ الْجَهْمِ وَأَيْضاً فَفِيهِمْ مَنْ لَا يُكَفِّرُ الْأُمَّةَ بِخِلَافِهِ وَلَا يَسْتَحِلُّ السَّيْفَ ، وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ وَجَهِلُوا أَصْلَ الْقَوْلِ وَقَوْلَ الدُّعَاةِ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَظُهُورَ ذَلِكَ ، فَمِنْ هُنَا كَانَ حَالُ فُرُوعِ الْجَهْمِيَّةِ قَدْ يَكُونُ أَخَفَّ مِنْ حَالِ الْخَوَارِجِ وَإِلَّا فَقَوْلُهُمْ فِي نَفْسِهِ أَحْنَثُ مِنْ قَوْلِ الْخَوَارِجِ بِكَثِيرٍ ، وَإِذَا كَانَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ قَدْ قَالَ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ إنَّ فِتْنَتَهُمْ أَضَرُّ عَلَى الْأُمَّةِ مِنْ فِتْنَةِ الْأَزَارِقَةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ جَهْمِيَّةٌ ؛ عُلِمَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ شَرٌّ مِنْ الْخَوَارِجِ .
قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَعْمَرِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارَ الْعَبْسِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الرَّقَاشِيُّ ، سَمِعْت يُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ فِتْنَةُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ الْأَزَارِقَةِ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَلُّوا وَأَنَّهُمْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ بِمَا أَحْدَثُوا ، وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ وَالْحَوْضِ ، وَيُنْكِرُونَ عَذَابَ الْقَبْرِ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ، وَفُرُوعُ الْجَهْمِيَّةِ لَا يَقْبَلُونَ شَهَادَةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَأْتَمِرُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ شَرٌّ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ هُمْ أَصْلُهُمْ فِي الْجُمْلَةِ وَفِي هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يَرَى التَّكْفِيرَ وَالسَّيْفَ كَمَا تَرَاهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالرَّافِضَةُ وَهُوَ قَوْلُ الْخَوَارِجِ .
وَلِهَذَا كَثِيراً مَا يَكُونُ أَهْلُ الْبِدَعِ مَعَ الْقُدْرَةِ يُشْبِهُونَ الْكُفَّارَ فِي اسْتِحْلَالِ قَتْلِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَكْفِيرِهِمْ كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارِجُ وَالرَّافِضَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ وَفُرُوعُهُمْ لَكِنَّ فِيهِمْ مَنْ يُقَاتِلُ بِطَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ كَالْخَوَارِجِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْعَى فِي قَتْلِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالِفِيهِ إمَّا بِسُلْطَانِهِ وَإِمَّا بِحِيلَتِهِ وَمَعَ الْعَجْزِ يُشْبِهُونَ الْمُنَافِقِينَ يَسْتَعْمِلُونَ التَّقِيَّةَ وَالنِّفَاقَ كَحَالِ الْمُنَافِقِينَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبِدَعَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُفْرِ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 527
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٢٧