تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
مُتَكَلِّماً قَبْلَ أَنْ يُسَمَّى كَلَامُهُ أَمْراً وَقَبْلَ وُجُودِ الْعِلَّةِ الَّتِي بِهَا سُمِّيَ أَمْراً وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تَسْمِيَتِهِ نَهْياً وَخَبَراً وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْبَارِي لَمْ يَزَلْ مُخْبِراً وَلَمْ يَزَلْ نَاهِياً ثُمَّ يُقَالُ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْهُ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَعْنًى خَفِيٌّ مُشْكِلٌ مُتَنَازَعٌ فِي وُجُودِهِ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ بِالْأَدِلَّةِ الْخَفِيَّةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَاَلَّذِينَ نَقَلُوا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ وَيَأْمُرُ وَيَنْهَى وَاَلَّذِينَ أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى الْخَفِيَّ الْمُشْكِلَ الَّذِي لَيْسَ يُتَصَوَّرُ بِحَالٍ أَوْ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِشِدَّةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ إنَّهُمْ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى نَقْلِ هَذَا الْمَعْنَى وَالْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ إنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى ثُبُوتِ مَعْنًى لَا يَفْهَمُونَهُ وَنَقَلُوا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَكَلَّمُ وَيَقُولُ وَهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مَعْنَى لَفْظِ الْكَلَامِ وَالْقَوْلِ فَإِنَّ هَذَا أَيْضاً مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ وَإِذَا بَطَلَ الْقِسْمَانِ عَلَى أَنَّ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ وَنَقَلَهُ أَهْلُ التَّوَاتُرِ عَنْ الْمُرْسَلِينَ هُوَ الْكَلَامُ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ كَلَاماً دُونَ هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا بَيِّنٌ وَاضِحٌ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ وَعَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبِمِثْلِ هَذَا الْوَجْهِ يَبْطُلُ أَيْضاً مَذْهَبُ الْجَهْمِيَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ فَإِنَّ كَوْنَ الْكَلَامِ يَكُونُ مُنْفَصِلاً عَنْ الْمُتَكَلِّمِ قَائِماً بِغَيْرِهِ مِمَّا لَا تَعْرِفُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ أَنَّهُ يَكُونُ كَلَاماً لِلْمُتَكَلِّمِ وَإِنْ أُثْبِتَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِأَدِلَّةٍ خَفِيَّةٍ مُشْكِلَةٍ وَإِذَا كَانَ أَهْلُ التَّوَاتُرِ نَقَلُوا أَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ إرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى عُلِمَ أَنَّ التَّوَاتُرَ وَالْإِجْمَاعَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ تَكَلَّمَ بِالْقُرْآنِ كُلِّهِ حُرُوفِهِ وَمَعَانِيهِ وَأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِهِ كَلَامُهُ وَإِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ . الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : أَنْ يُقَالَ لَا رَيْبَ أَنَّهُ قَدْ اشْتَهَرَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ اتِّفَاقُ السَّلَفِ ، عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَى مَنْ جَعَلَهُ مَخْلُوقاً خَلَقَهُ اللَّهُ كَمَا خَلَقَ سَائِرَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا يَقُولُهُ الْجَهْمِيَّةُ ، حَتَّى قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ لِرَجُلٍ أَتَدْرِي مَا يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ يُرِيدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَكَلَّمُ وَمَا الَّذِينَ قَالُوا إنَّ لِلَّهِ وَلَداً بِأَكْفَرَ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ لِأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا لِلَّهِ وَلَدٌ شَبَّهُوهُ بِالْأَحْيَاءِ وَاَلَّذِينَ قَالُوا لَا يَتَكَلَّمُ شَبَّهُوهُ بِالْجَمَادَاتِ وَأَنْتُمْ فَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلَّمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ إنَّهُ مَخْلُوقٌ ، لَا تُنَازِعُونَهُمْ فِي أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يَقُولُونَ هُوَ مَخْلُوقٌ بَلْ تَقُولُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً إنَّهُ مَخْلُوقٌ ، فَاَلَّذِي قَالَ هَؤُلَاءِ إنَّهُ مَخْلُوقٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقاً
الفتاوى الكبرى — صفحة 523 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا