مَا اقْتَضَتْهُ النُّصُوصُ وَتَطَابَقَ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ ، فَهَذَا مُصِيبٌ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الْحَقُّ وَهَذَا جُمْلَةٌ لَا يَسَعُ هَذَا الْمَوْضِعَ تَفْصِيلُهَا .
وَقُلْتُ فِي جَوَابِ الْفُتْيَا الدِّمَشْقِيَّةِ وَقَدْ سُئِلْتُ فِيهَا عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّ الْقُرْآنَ حَرْفٌ وَصَوْتٌ ، وَأَنَّ { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } عَلَى مَا يُفِيدُهُ الظَّاهِرُ وَيَفْهَمُهُ النَّاسُ مِنْ ظَاهِرِهِ ، هَلْ يَحْنَثُ هَذَا أَمْ لَا ، فَقُلْتُ فِي الْجَوَابِ إنْ كَانَ مَقْصُودُ هَذَا الْحَالِفِ أَنَّ أَصْوَاتَ الْعِبَادِ بِالْقُرْآنِ وَالْمِدَادَ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ ، فَقَدْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَداً مِنْ النَّاسِ يَقُولُ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُكْرَهُ تَجْرِيدُ الْكَلَامِ فِي الْمِدَادِ الَّذِي فِي الْمُصْحَفِ وَفِي صَوْتِ الْعَبْدِ لِئَلَّا يَتَذَرَّعَ بِذَلِكَ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ .
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي صَوْتِ الْعَبْدِ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي نَقْرَؤُهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً لَا كَلَامُ غَيْرِهِ ، وَأَنَّ الَّذِي بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ حَقِيقَةً ، وَلَكِنْ مَا عَلِمْتُ أَحَداً حَكَمَ عَلَى مَجْمُوعِ الْمِدَادِ الْمَكْتُوبِ بِهِ وَصَوْتِ الْعَبْدِ بِالْقُرْآنِ بِأَنَّهُ قَدِيمٌ ، وَلَكِنَّ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ وَكَلَامِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ فِي بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا الْمَعَانِيَ الَّتِي تَلِيقُ بِالْخَلْقِ لَا بِالْخَالِقِ ، ثُمَّ يُرِيدُونَ تَحْرِيفَ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ إذَا وَجَدُوا ذَلِكَ فِيهِمَا ، وَإِنْ وَجَدُوهُ فِي كَلَامِ التَّابِعِينَ لِلسَّلَفِ افْتَرَوْا الْكَذِبَ عَلَيْهِمْ وَنَقَلُوا عَنْهُمْ بِحَسَبِ الْفَهْمِ الْبَاطِلِ الَّذِي فَهِمُوهُ ، أَوْ زَادُوا عَلَيْهِمْ فِي الْأَلْفَاظِ أَوْ غَيَّرُوهَا قَدْراً وَوَصْفاً ، كَمَا نَسْمَعُ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ وَنَرَى فِي كُتُبِهِمْ ، ثُمَّ بَعْضُ مَنْ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهَؤُلَاءِ النَّقَلَةِ قَدْ يَحْكِي هَذَا الْمَذْهَبَ عَمَّنْ حَكَوْهُ عَنْهُمْ وَيَذُمُّ وَيَحْنَثُ مَعَ مَنْ لَا وُجُودَ لَهُ وَذَمُّهُ وَاقِعٌ عَلَى مَوْصُوفٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ ، نَظِيرُ مَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ : { أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ يَشْتُمُونَ مُذَمَّماً وَأَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَهَذَا نَظِيرُ مَا تَحْكِي الرَّافِضَةُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْعِبَادَةِ وَالْمَعْرِفَةِ أَنَّهُمْ نَاصِبَةٌ وَتَحْكِي الْقَدَرِيَّةُ عَنْهُمْ : أَنَّهُمْ مُجَبِّرَةٌ ، وَتَحْكِي الْجَهْمِيَّةُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ وَتَحْكِي مَنْ خَالَفَ الْحَدِيثَ وَنَابَذَ أَهْلَهُ عَنْهُمْ : أَنَّهُمْ نَابِتَةٌ وَحَشْوِيَّةٌ وَغَثّاً وَغَثَرٌ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمَكْذُوبَةِ ، وَمَنْ تَأَمَّلَ كُتُبَ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 469
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٩