وَالْأَصْوَاتِ وَمَعَانٍ قَائِمَةٍ فِي نَفْسِهِ وَلَكِنْ بَيَّنْت أَنَّ مَنْ جَعَلَ الْقُرْآنَ مُجَرَّدَ حَرْفٍ وَصَوْتٍ قَائِمٍ بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ مُبْتَدِعٌ وَقَوْلُهُ يَتَضَمَّنُ أَنَّ الْمَعَانِيَ لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَمَنْ جَعَلَ الْقُرْآنَ مُجَرَّدَ مَعْنًى قَائِمٍ بِهِ مُبْتَدِعٌ وَقَوْلُهُ يَتَضَمَّنُ أَنَّ حُرُوفَ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ اللَّهُ بِهَا وَأَنَّ جَمِيعَ كَلَامِ اللَّهِ لَيْسَ إلَّا مَعْنًى وَاحِداً .
وَقَدْ قُلْت قَبْلَ هَذَا فِي جَوَابِ الْفُتْيَا الْمِصْرِيَّةِ وَقَدْ قِيلَ فِيهَا الْمَسْؤولُ بَيَانُ مَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَيَصِيرَ بِهِ مُسْلِماً بِأَوْضَحِ عِبَارَةٍ وَأَبْيَنِهَا مِنْ أَنَّ مَا فِي الْمَصَاحِفِ هَلْ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ الْقَدِيمُ أَمْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ لَا نَفْسُهُ وَأَنَّهُ حَادِثٌ أَوْ قَدِيمٌ وَأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَرْفٌ وَصَوْتٌ أَمْ كَلَامُهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ لَا تُفَارِقُهُ وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } حَقِيقَةٌ أَمْ لَا وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَجْرَى الْقُرْآنَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَأَوَّلَ شَيْئاً مِنْهُ وَيَقُولَ أُومِنُ بِهِ كَمَا أُنْزِلَ هَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ فِي الِاعْتِقَادِ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّأْوِيلُ .
فَقُلْت فِي الْجَوَابِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ اعْتِقَادُهُ فِي ذَلِكَ وَغَيْرُهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ اتَّبَعَهُمْ وَذَمَّ مَنْ اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ مُنْزَلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ { إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ } وَأَنَّهُ { قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } وَأَنَّهُ كَمَا قَالَ : { وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } وَأَنَّهُ فِي الصُّدُورِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّياً مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهَا } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْجَوْفُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ } وَأَنَّ مَا بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ الَّذِي كَتَبَتْهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَلَامُ اللَّهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ أَيْدِيهِمْ } فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَكْفِي الْمُسْلِمَ فِي هَذَا الْبَابِ .
وَأَمَّا تَفْصِيلُ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ فَكَثِيرٌ مِنْهُ يَكُونُ كَالْإِطْلَاقَيْنِ خَطَأً وَيَكُونُ الْحَقُّ فِي التَّفْصِيلِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مَعَ كُلٍّ مِنْ الْمُتَنَازِعَيْنِ نَوْعٌ مِنْ الْحَقِّ وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُنْكِرُ حَقَّ صَاحِبِهِ وَهَذَا مِنْ التَّفْرِيقِ وَالِاخْتِلَافِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَنَهَى عَنْهُ فَقَالَ : { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } وَقَالَ : { وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 462
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٦٢