تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ : التَّحَيُّزُ مِنْ لَوَازِمِ الْجِسْمِ ، وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ : هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْقِيَامِ بِالنَّفْسِ كَالتَّمَيُّزِ وَالْمُبَايِنَةِ ، وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ فَالْحَيِّزُ إمَّا وُجُودِيٌّ ، وَإِمَّا عَدَمِيٌّ ، فَإِنْ كَانَ عَدَمِيّاً فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي مَعْنَى الْجِهَةِ الْعَدَمِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ وُجُودِيّاً فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا لَيْسَ خَارِجاً ، أَوْ مَا هُوَ خَارِجاً عَنْهُ فَالْأَوَّلُ مِثْلُ حُدُودِ الْمُتَحَيِّزِ وَجَوَانِبِهِ فَلَا يَكُونُ الْحَيِّزُ شَيْئاً خَارِجاً عَلَى الْمُتَحَيِّزِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ، وَإِمَّا أَنْ يُعْنَى بِهِ شَيْءٌ مَوْجُودٌ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْمُتَحَيِّزِ خَارِجٌ عَنْهُ ، فَهَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ وَلَيْسَ غَيْرَ اللَّهِ إلَّا الْعَالَمُ ، فَمَنْ قَالَ إنَّهُ فِي حَيِّزٍ مَوْجُودٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ ، فَقَدْ قَالَ إنَّهُ فِي الْعَالَمِ أَوْ بَعْضِهِ وَهَذَا مِمَّا قَدْ صَرَّحْنَا بِنَفْيِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ الْمَقَالِ لِيَزُولَ هَذَا الْإِبْهَامُ وَالْإِجْمَالُ . الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : وَلَا يَقُولُ : إنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَرْفٌ وَصَوْتٌ قَائِمٌ بِهِ ، بَلْ هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ . فَقَدْ قُلْت فِي الْجَوَابِ الْمُخْتَصَرِ الْبَدِيهِيِّ لَيْسَ فِي كَلَامِي هَذَا أَيْضاً وَلَا قُلْتُهُ قَطُّ ، بَلْ قَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّ الْقُرْآنَ حَرْفٌ وَصَوْتٌ قَائِمٌ بِهِ بِدْعَةٌ ، وَقَوْلُهُ : إنَّهُ مَعْنًى قَائِمٌ بِهِ بِدْعَةٌ ، لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ لَا هَذَا وَلَا هَذَا ، وَأَنَا لَيْسَ فِي كَلَامِي شَيْءٌ مِنْ الْبِدَعِ ، بَلْ فِي كَلَامِي مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ ، أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَذَلِكَ أَنِّي قَدْ أَجَبْتُ فِي مَسْأَلَةِ الْقُرْآنِ وَالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ ، وَمَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ مِنْ النِّزَاعِ وَالِاضْطِرَابِ فِي جَوَابِ الْفُتْيَا الدِّمَشْقِيَّةِ وَفَصَّلْتُ الْقَوْلَ فِيهَا وَفِي مَسْأَلَةِ الْعَرْشِ وَبَيَّنْتُهُ . وَكَذَلِكَ فِي جَوَابِ الْفُتْيَا الْمِصْرِيَّةِ ، قَدْ بَيَّنْتُهُ وَفَصَّلْتُهُ فِي هَذَا وَفِي هَذَا ، وَأَزَلْتُ مَا وَقَعَ فِيهِ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالشِّقَاقِ الَّذِي خَرَجُوا بِهِ عَنْ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، إلَى الْبِدْعَةِ وَالِافْتِرَاقِ ، وَبَسَطْتُ ذَلِكَ بَسْطاً مُتَوَسِّطاً فِي جَوَابِ الِاسْتِفْتَاءِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ قَاضِي جَيْلَانَ لِمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْفِتْنَةِ فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ ، وَأَظْهَرُوا مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْغُلُوِّ فِي الْإِثْبَاتِ ، وَنَفْيِ الْخَلْقِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجَهَالَاتِ وَالضَّلَالَاتِ . وَقَدْ كَتَبْتُ جُمَلاً مِنْ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ فِي جَوَابِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى الْفُتْيَا الْحَمَوِيَّةِ ، وَفِي فَتَاوَى أُخَرَ وَمَوَاضِعَ أُخَرَ . قَالَ مَسْأَلَةُ الْقُرْآنِ وَقَعَ فِيهَا بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الِاضْطِرَابِ وَالنِّزَاعِ مَا لَمْ يَقَعْ نَظِيرُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ ، إذْ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ السَّلَفِ مَنْ يَبُوحُ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ وَنَفْيِهِ كَمَا كَانَ عَلَى عَهْدِهِمْ مِمَّنْ أَبَاحَ بِإِظْهَارِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 358 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا