تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
وَهَذَا نَصٌّ فِي تَحْرِيمِ اسْتِحْلَالِ مَحَارِمِ اللَّهِ بِالِاحْتِيَالِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النَّبِيُّ أَدْنَى الْحِيَلِ ، لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثاً مَثَلاً قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ ، وَمِنْ أَسْهَلِ الْحِيَلِ عَلَيْنَا أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ السُّفَهَاءِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَيَسْتَعِيرَهُ لِيَنْزُوَ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ مِنْ نِكَاحِ رَاغِبٍ ، فَإِنَّ ذَاكَ يَصْعُبُ مَعَهُ عَوْدُهَا حَلَالاً ؛ إذْ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ لَا يُطَلِّقَ بَلْ أَنْ يَمُوتَ الْمُطَلِّقُ أَوَّلاً قَبْلَهُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقْرِضَ أَلْفاً بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ، فَمِنْ أَدْنَى الْحِيَلِ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفاً إلَّا دِرْهَماً بِاسْمِ الْقَرْضِ ، وَيَبِيعَهُ خِرْقَةً تُسَاوِي دِرْهَماً بِخَمْسِمِائَةٍ ، وَهَكَذَا سَائِرُ أَبْوَابِ الْحِيَلِ . ثُمَّ إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ ، وَقَدْ كَانُوا احْتَالُوا فِي الِاصْطِيَادِ يَوْمَ السَّبْتِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ، فَإِنَّهُمْ حَفَرُوا خَنَادِقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَقَعُ الْحِيتَانُ فِيهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، ثُمَّ يَأْخُذُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ ، وَهَذَا عِنْدَ الْمُحْتَالِينَ جَائِزٌ ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الِاصْطِيَادِ لَمْ يُوجَدْ يَوْمَ السَّبْتِ ، لَكِنْ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُوَ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْكَفُّ عَمَّا يُنَالُ بِهِ الصَّيْدُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ ، أَوْ الْمُبَاشَرَةِ . وَمِنْ احْتِيَالِهِمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْلَ الشُّحُومِ ، تَأَوَّلُوا أَنَّ الْمُرَادَ نَفْسُ إدْخَالِهِ الْفَمَ ، وَأَنَّ الشَّحْمَ هُوَ الْجَامِدُ دُونَ الْمُذَابِ فَجَمَلُوهُ فَبَاعُوهُ وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ ، وَقَالُوا : مَا أَكَلْنَا الشَّحْمَ ، وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إذَا حَرَّمَ الِانْتِفَاعَ بِشَيْءٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ ، أَوْ بِبَدَلِهِ إذْ الْبَدَلُ يَسُدُّ مَسَدَّهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَالِ جُمُودِهِ وَذَوْبِهِ فَلَوْ كَانَ ثَمَنُهُ حَلَالاً لَمْ يَكُنْ فِي التَّحْرِيمِ كَبِيرُ أَمْرٍ وَهَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ . الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَهُوَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ : { بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَاناً بَاعَ خَمْراً ، قَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ فُلَاناً أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : جَمَلُوهَا مَعْنَاهُ أَذَابُوهَا حَتَّى تَصِيرَ وَدَكاً ، فَيَزُولَ