تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : " الَّذِي نَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَعْتَقِدَهُ أَنْ يَنْفِيَ الْجِهَةَ عَنْ اللَّهِ وَالتَّحَيُّزَ " فَلَيْسَ فِي كَلَامِي إثْبَاتٌ لِهَذَا اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ هَذَا اللَّفْظِ نَفْياً وَإِثْبَاتاً بِدْعَةٌ ، وَأَنَا لَا أَقُولُ إلَّا مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأَمَةِ ، فَإِنْ أَرَادَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ ، أَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ رَبٌّ وَلَا فَوْقَ الْعَرْشِ إلَهٌ وَأَنَّ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْرُجْ بِهِ إلَى رَبِّهِ ، وَمَا فَوْقَ الْعَالَمِ إلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَهَذَا بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا . وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَا تُحِيطُ بِهِ مَخْلُوقَاتُهُ ، وَلَا يَكُونُ فِي جَوْفِ الْمَوْجُودَاتِ فَهَذَا مَذْكُورٌ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي كَلَامِي ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي تَجْدِيدِهِ ؟ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : " لَا يَقُولُ : إنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَرْفٌ وَصَوْتٌ قَائِمٌ بِهِ بَلْ هُوَ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ " فَلَيْسَ فِي كَلَامِي هَذَا أَيْضاً وَلَا قُلْته قَطُّ . بَلْ قَوْلُ الْقَائِلِ : إنَّ الْقُرْآنَ حَرْفٌ وَالصَّوْتَ قَائِمٌ بِهِ ، بِدْعَةٌ ، وَقَوْلُهُ : إنَّهُ مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ لَا هَذَا وَلَا هَذَا ، وَأَنَا لَيْسَ فِي كَلَامِي شَيْءٌ مِنْ الْبِدَعِ ، بَلْ فِي كَلَامِي مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ : أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ . أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : " إنَّهُ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ إشَارَةً حِسِّيَّةً " فَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي كَلَامِي بَلْ فِي كَلَامِي إنْكَارُ مَا ابْتَدَعَهُ الْمُبْتَدَعُونَ مِنْ الْأَلْفَاظِ النَّافِيَةِ ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ : إنَّهُ لَا يُشَارُ إلَيْهِ ، فَإِنَّ هَذَا النَّفْيَ أَيْضاً بِدْعَةٌ ، فَإِنْ أَرَادَ الْقَائِلُ أَنَّهُ لَا يُشَارُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ مَحْصُوراً فِي الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الصَّحِيحَةِ ، فَهَذَا حَقٌّ . وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ مَنْ دَعَا اللَّهَ لَا يَرْفَعُ إلَيْهِ يَدَيْهِ ، فَهَذَا خِلَافُ مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ السُّنَنُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ مِنْ رَفْعِ الْأَيْدِي إلَى اللَّهِ فِي الدُّعَاءِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إذَا رَفَعَ إلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا إلَيْهِ صِفْراً } وَإِذَا سَمَّى الْمُسَمِّي ذَلِكَ إشَارَةً حِسِّيَّةً ، وَقَالَ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : " أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَآيَاتِهَا عِنْدَ الْعَامَّةِ " فَمَا فَاتَحْتُ عَامِّيّاً فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَطُّ . وَأَمَّا الْجَوَابُ : بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ الْمُسْتَرْشِدَ الْمُسْتَهْدِيَ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
الفتاوى الكبرى — صفحة 325 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا