تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَتِهِ حَتَّى يَذَرَهُ } . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ ، وَفِي لَفْظٍ : { لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَهُ } ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَهَذَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحاً { لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ } كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَأْدِيبٍ لَا تَحْرِيمٍ وَهُوَ بَاطِلٌ ؛ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ حَرَامٌ فَهَلْ الْعَقْدُ الثَّانِي صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ ؟ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَجَمَاعَةٌ مَعَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ . وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَحْكِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ بَاطِلٌ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْخِلَافِ وَرَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ فِي مَسَائِلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِي الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَيْضاً . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ صَحِيحٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَسْتَامُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ ، هَذَا لِلْمُسْلِمِينَ . قِيلَ لَهُ فَإِنْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ فَتَزَوَّجَهَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : لَا . وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي حَفْصٍ ، لَكِنْ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ تَأْدِيبٌ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَقَدْ خَرَّجَ الْقَاضِي جَوَابَ أَحْمَدَ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ إلَى مَسْأَلَةِ الْخِطْبَةِ فَجَعَلَهُمَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ ، وَيَتَوَجَّهُ إقْرَارُ النَّصَّيْنِ مَكَانَهُمَا كَمَا سَنَذْكُرُهُ ، وَالْقَوْلُ بِصِحَّةِ الْعَقْدِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْقَوْلُ بِفَسَادِهِ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَحُكِيَ عَنْهُ الصِّحَّةُ ، وَدَلِيلُ هَذَا النَّهْيُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ عَلَى قَاعِدَةِ الْفُقَهَاءِ الْمُقَرَّرَةِ فِي مَوْضِعِهَا كَسَائِرِ عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ وَالْبِيَاعَاتِ أَوْ لِلْأَوَّلِينَ طُرُقٌ : أَحَدُهَا : حَمْلُ النَّهْيِ عَلَى التَّأْدِيبِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَفْصٍ ، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ ابْنُ عَقِيلٍ ، إذَا كَثُرَ مَا فِيهِ أَنَّ لِلْخَاطِبِ رَغْبَةً فِي الْمَرْأَةِ ، وَهَذَا لَا يُحَرِّمُهَا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ رَغْبَةً وَلَمْ يُتِمَّ وَلَمْ يَخْطُبْ ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُخَالِفٌ لِنَصِّ الرَّسُولِ . الطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ : أَنَّ هَذَا التَّحْرِيمَ لَمْ يُقَارِنْ النِّكَاحَ الثَّانِيَ وَالْبَيْعَ الثَّانِيَ . وَإِنَّمَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ مَنْعٌ لِلْأَوَّلِ مِنْ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ . وَهَذَا مُتَقَدِّمٌ عَلَى بَيْعِ الثَّانِي وَنِكَاحِهِ ، وَالتَّحْرِيمُ الْمُقْتَضِي لِلْفَسَادِ ، وَهُوَ مَا قَارَنَ الْعَقْدَ كَعُقُودِ الرِّبَا وَبَيْعِ