تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
الْمُسْلِمِ عَنْ هِبَةِ الْمُصْحَفِ لِكَافِرٍ ، وَبَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَيَكُونُ بَاطِلاً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الثَّانِيَ عَشَرَ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْبَائِعُ بِقَصْدِ الْمُشْتَرِي كَانَ الْبَيْعُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَائِعِ حَلَالاً وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُشْتَرِي حَرَاماً ، لَكِنْ هُنَا فُرُوعٌ يُخَالِفُ حُكْمُهَا حُكْمَ غَيْرِهَا ، مِثْلَ أَنْ يَتُوبَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ ذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمُشْتَرَى بِدُونِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ مَعَ إمْكَانِهِ وَهُوَ نَظِيرُ إسْلَامِ الْكَافِرِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ مَعَ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ فِي الْمُصْحَفِ الْمَوْهُوبِ ، وَنَظِيرُ إسْلَامِ سَيِّدِ الْعَبْدِ فَإِنَّا إنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ ثُبُوتِ يَدِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُصْحَفِ وَالْمُسْلِمِ لِمُقَارَنَتِهِ اعْتِقَادَ الْكُفْرِ لَهُ ، كَمَا أَنَّا مَنَعْنَا مِنْ ثُبُوتِ يَدِ الْمُصِرِّ عَلَى مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِمُقَارَنَةِ اعْتِقَادِ الْمَعْصِيَةِ لَهُ . وَلَيْسَ غَرَضُنَا هُنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ بَيَانُ مَنْعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَنَظِيرُهُ مِنْ النِّكَاحِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لِيَطَأَهَا فِي الدُّبُرِ أَوْ لِيُكْرِيَهَا لِزِناً وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَا مِثْلُ اشْتِرَاءِ الْعَصِيرِ لِيَتَّخِذَهُ خَمْراً وَبَيْعِ الْأَمَةِ لِيُكْرِهَهَا عَلَى الْبِغَاءِ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا قَصْدُهُ ، وَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ حَتَّى قَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا وَمِنْهُمْ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا نِكَاحاً صَحِيحاً ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ فَإِنَّهُ يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَهَذَا جَيِّدٌ فَإِنَّ هَذَا الْفِعْلَ حَرَامٌ ، فَمَتَى تَوَافَقَ الزَّوْجَانِ عَلَيْهِ أَوْ أَكْرَهَهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُمْكِنْ مَنْعُهُ إلَّا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا تَعَيَّنَ التَّفْرِيقُ طَرِيقاً لِإِزَالَةِ هَذَا الْمُنْكَرِ ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَدَلِ الْمُصَنِّفِينَ فِي خِلَافِ الْفُقَهَاءِ لِمَا ذُكِرَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْراً . قَالَ : لَا أَظُنَّهُ يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ يَقْوَى وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعَبْدِ مِمَّنْ يَتَلَوَّطُ ، وَلَا بَيْعُ الْأَمَةِ وَلَا تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ مِمَّنْ يَطَأهَا فِي الْمَوْضِعِ الْمَكْرُوهِ ، ثُمَّ قَالَ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَخْشَابِ لِمَنْ يَعْمَلُ آلَاتِ الْمَلَاهِي ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْمُجَادِلُ كُلُّهُ جَهْلٌ وَغَلَطٌ وَتَخْلِيطٌ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا وَاحِدٌ ، وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَمْرَدِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْسُقُ بِهِ ، وَلَا بَيْعُ الْمُغَنِّيَةِ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِمَا لَا يَحِلُّ ، وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآنِيَةِ مِنْ الْأَقْدَاحِ وَنَحْوِهَا مِمَّنْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَشْرَبُ فِيهَا الْمُسْكِرَ ، وَلَا بَيْعُ الْمَشْمُومَاتِ مِنْ الرَّيَاحِينِ ، وَنَحْوِهَا مِمَّنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَشْرَبُ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُ فِي بَيْعِ الْخَشَبِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا آلَاتِ اللَّهْوِ وَسَائِرُ هَذَا الْبَابِ جَارٍ عِنْدَهُ عَلَى الْقِيَاسِ ، حَتَّى أَنَّهُ قَدْ نَصَّ أَيْضاً عَلَى أَنَّهُ لَا