تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
الْأَوَّلِ ، لِاعْتِرَافِهَا بِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ ، هَذَا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَهَا إقْرَارٌ ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُطَلِّقُ ثَلَاثاً وَحْدَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي سُقُوطِ حَقِّ الْمَرْأَةِ ، وَلَزِمَهُ ذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهَا حَرَامٌ عَلَيْهِ ، وَأَيُّهُمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُ الزَّوْجِ الْمُحَلِّلُ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ نِيَّتِهِ فَعَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى ذَلِكَ ، لَكِنْ فِي الْقَضَاءِ لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ ، وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثاً رَجُلٌ ثُمَّ يَعْتَرِفَ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ ، فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نِيَّةِ التَّحْلِيلِ ؛ لِأَنَّهُ فَسَادٌ انْفَرَدَ بِعَمَلِهِ . فَإِنْ قِيلَ : مَا ذَكَرْتُمُوهُ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَى أَبُو حَفْصِ بْنُ شَاهِينَ فِي غَرَائِبِ السُّنَنِ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُطَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ فُلَاناً تَزَوَّجَ فُلَانَةَ وَلَا نَرَاهُ إلَّا يُرِيدُ أَنْ يُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشْهَدَ عَلَى النِّكَاحِ . قَالُوا : نَعَمْ قَالَ : وَمَهَرَ . قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : وَدَخَلَ . يَعْنِي الْجِمَاعَ . قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : ذَهَبَ الْخِدَاعُ . } فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ حَالَ الرَّجُلِ وَلَمْ يَقُلْ إنْ نَوَيْت كَذَا فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ، مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا مَا نَرَاهُ يُرِيدُ إلَّا ذَلِكَ ، وَالْبَحْثُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ وَاجِبٌ احْتِيَاطاً لِلْبُضْعِ ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ ، وَإِذَا لَمْ يَبْحَثْ عُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ مُطْلَقٌ وَأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ ، قَالَ بَعْضُ الْمُنَازِعِينَ وَهَذَا مَقْطُوعٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ . قُلْت : هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُوسَى بْنِ مُطَيْنٍ مَتْرُوكٌ سَاقِطٌ يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ عَنْ الْمَشَاهِيرِ لَا يَحِلُّ الِاسْتِدْلَال بِشَيْءٍ مِنْ رِوَايَتِهِ ، قَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ كَذَّابٌ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ تَرَكَ النَّاسُ حَدِيثَهُ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفاً عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمُجَازِفِينَ فِيمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ مِنْ مُصَنِّفِي الْمُجَادِلِينَ . قَالَ مُوسَى هَذَا مِنْ الثِّقَاتِ الْعُدُولِ لِمَا قِيلَ إنَّهُ يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ عَنْ الْمَشَاهِيرِ . فَأَرَادَ الدَّفْعَ بِمَا اتَّفَقَ مِنْ غَيْرِ مُرَاقَبَةٍ مِنْهُ فِيمَا يَقُولُ . ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا تَكَلَّمُوا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ضَرْباً عَنْ التَّكَلُّفِ . فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ يَظْهَرُ عَلَيْهَا مِنْ التَّنَاقُضِ مَا لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ . وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَهَبَ الْخِدَاعُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخِدَاعَ فِي الْعُقُودِ حَرَامٌ وَأَنَّ الْعَقْدَ إذَا كَانَ خِدَاعاً لَمْ يَحِلَّ . وَإِلَّا لَمَا فَرَّقَ بَيْنَ ذَهَابِهِ وَثُبُوتِهِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 273 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا