الْمَسْلَكُ السَّادِسُ
أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ : { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .
يَعْنِي فَإِنْ طَلَّقَهَا هَذَا الزَّوْجُ الثَّانِي الَّذِي نَكَحَتْهُ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ، وَعَلَى الْمُطَلِّقِ الْأَوَّلِ أَنْ يَتَرَاجَعَا إنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ، وَحَرْفُ إنْ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ لِمَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ وَعَدَمُ وُقُوعِهِ ، فَأَمَّا مَا يَقَعُ لَازِماً أَوْ غَالِباً فَيَقُولُونَ فِيهِ إذَا فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ فَائْتِنِي وَلَا يَقُولُونَ إنْ احْمَرَّ الْبُسْرُ ؛ لِأَنَّ احْمِرَارَهُ وَاقِعٌ فَلَمَّا قَالَ فَإِنْ طَلَّقَهَا عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ النِّكَاحَ الْمُتَقَدِّمَ نِكَاحٌ يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ تَارَةً وَلَا يَقَعُ أُخْرَى ، وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ لَازِماً أَوْ غَالِباً ، وَإِنَّمَا يُقَالُ فِي مِثْلِهِ فَإِذَا طَلَّقَهَا وَلَا يُقَالُ فَالْآيَةُ عَمَّتْ كُلَّ نِكَاحٍ ، فَلِهَذَا قِيلَ فَإِنْ طَلَّقَهَا إذْ مِنْ النَّاكِحِينَ أَنْ يُطَلِّقَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُطَلِّقُ ، وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الْمُحَلِّلِينَ يُطَلِّقُ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ لَقَالَ فَإِنْ فَارَقَهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ عَنْهَا ، وَقَدْ تُفَارِقُهُ بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِحُدُوثِ مَهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ بِفَسْخِهِ لِعُسْرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَتَحِلُّ ، لَكِنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِيَدِ الزَّوْجِ وَإِنَّمَا بِيَدِهِ الطَّلَاقُ خَاصَّةً ، فَهُوَ الَّذِي إذَا قِيلَ فِيهِ إنْ طَلَّقَ حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ نِكَاحُ رَغْبَةٍ قَدْ يَقَعُ فِيهِ الطَّلَاقُ وَقَدْ لَا يَقَعُ ، لَا نِكَاحُ دُلْسَةٍ يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ إلَّا نَادِراً ، وَلَوْ قِيلَ فَإِنْ فَارَقَهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ تَقَعُ فِيهِ الْفُرْقَةُ تَارَةً وَلَا تَقَعُ أُخْرَى ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ نِكَاحَ الرَّغْبَةِ وَالدُّلْسَةِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ ، فَيُشْبِهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ لَفْظِ فَارَقَ إلَى لَفْظِ طَلَّقَ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّهُ نِكَاحٌ قَدْ يَكُونُ فِيهِ الطَّلَاقُ ، لَا نِكَاحٌ مَعْقُودٌ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ .
يُؤَيِّدُ هَذَا : أَنَّ لَفْظَةَ الْفِرَاقِ أَعَمُّ فَائِدَةً وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِ الطَّلَاقِ خَصِيصَةٌ لَكَانَ ذِكْرُهُ أَوْلَى ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ فَائِدَةٌ مُنَاسَبَةٌ يَتَبَيَّنُ بِمُلَاحَظَتِهَا كَمَالُ مَوْضِعِ الْخِطَابِ .
يُبَيِّنُ هَذَا : أَنَّ الْغَايَةَ الْمُؤَقَّتَةَ بِحَرْفِ حَتَّى تَدْخُلُ فِي حُكْمِ الْمَحْدُودِ الْمُغَيَّا لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ خِلَافاً فِيهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْغَايَةِ الْمُؤَقَّتَةِ بِحَرْفِ إلَى
الفتاوى الكبرى — صفحة 254
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٥٤