الْهِدَايَةِ ، إلَّا أَنْ يَلْجَأَ إلَى رُكْنِ الِاتِّبَاعِ الصِّرْفِ ، غَيْرَ جَائِلٍ فِي أُخْتَيْهِ وَهُوَ لَعَمْرُ اللَّهِ الرُّكْنُ الشَّدِيدُ وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى ، لَكِنْ { يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } ، وَمَنْ حَقَّقَهُ انْجَلَتْ عَنْهُ الشُّبُهَاتُ الَّتِي عَدَّهَا قَاطِعَةً مَنْ خَالَفَ السَّابِقِينَ فِي تَعْمِيمِ التَّصْوِيبِ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ وَرَدَّ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى إلَى ظُنُونِ الْمُسْتَدِلِّينَ ، وَاعْتِقَادَاتِ الْمَخْلُوقِينَ .
وَأَشْكَلَ مِنْ هَذَا إذَا أَوْجَبَ فِعْلَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ لِانْدِرَاجِهِ فِي قَضِيَّةٍ نَوْعِيَّةٍ ، لَا لِنَفْسٍ بِعَيْنِهِ كَالْحَاكِمِ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ ، يَعْتَقِدُ عَدْلَهُمَا فَيَقُولُ الْكَلَامِيُّ الظَّاهِرِيُّ الزَّاعِمُ التَّحْقِيقَ ، الْحَاكِمُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَقْبَلَ شَهَادَةَ هَذَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ صَادِقَيْنِ أَوْ كَاذِبَيْنِ ، وَإِذَا فَعَلَ هَذَا فَهُوَ فَاعِلٌ لِحُكْمِ اللَّهِ ، وَإِنْ أَسْلَمَ الْمَالَ إلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ فِي الْبَاطِنِ ، وَهَذَا غَلَطٌ ، فَهَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْخَطَإِ هَذَا لَا يَكُونُ مِنْ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ ، لَكِنَّهُ لَا يَنْهَى عَنْ الْخَطَأِ ؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَ الْعَبْدِ اجْتِنَابَ الْخَطَأِ يَشُقُّ عَلَى الْخَلْقِ ، { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } .
بَلْ قَدْ يَعْجِزُ الْخَلْقُ عَنْ اجْتِنَابِ الْخَطَأِ فَعَفَا عَنْ الْخَطَأِ كَمَا نَطَقَ بِهِ فِي كِتَابِهِ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي دَعَا بِهِ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ " .
وَثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ قَدْ فَعَلْت وَهُوَ قَوْلُهُ : { لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } .
فَإِنَّهُ إنَّمَا رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْخَطَإِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَمَرَ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ الْعَدْلِ الْمَرْضِيِّ .
كَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، فَإِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا الْمُعَيَّنَ عَدْلٌ لَمْ يَنْهَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِعَيْنِهِ ، فَيَجْتَمِعُ الْأَمْرُ بِالْحُكْمِ بِكُلِّ عَدْلٍ ، وَعَدَمُ النَّهْيِ عَنْ هَذَا الْمُعَيَّنِ فَيَحْكُمُ بِهِ بِنَاءً عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، لَا عَلَى التَّعْيِينِ الَّذِي لَمْ يُنْهَ عَنْهُ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ ، وَكَانَ مَعْذُوراً فِي أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ فَهُوَ لَا يُؤَاخِذُهُ وَيُثِيبُهُ ثَوَابَ مَنْ اجْتَهَدَ فِي فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، لَا ثَوَابَ مَنْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ ، وَلِهَذَا يَنْقُضُ حُكْمَهُ وَيُوجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانَ ، وَلَوْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ كَمَا أُمِرَ بِهِ لَمْ يَكُنْ نَقْضاً وَلَا ضَمَاناً .
يُوَضِّحُ هَذَا : أَنَّ اعْتِقَادَهُ أَنَّ هَذَا عَدْلٌ هُوَ طَرِيقٌ يُؤَدِّي بِهِ الْمَأْمُورَ بِهِ لَا يُمْكِنُهُ غَيْرُهُ ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا مَالٌ فِي كِيسٍ .
فَأَدَّاهُ وَقَدْ وَجَبَ أَدَاءُ عَيْنِهِ لَا لِوُجُوبِ عَيْنِهِ لَكِنْ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَإِذَا تَبَيَّنَ زَيْفاً ، تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 210
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٠