تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
فَهُنَا ثَلَاثُ مَنَازِلَ طَرَفَانِ وَوَسَطٌ ، إمَّا أَنْ يُقَالَ هُمَا جَمِيعاً حَرَامَانَ مُطْلَقاً وَاجِبَانِ مُطْلَقاً ، أَوْ يُقَالَ لَيْسَ الْوَاجِبُ وَالْمُحَرَّمُ إلَّا أَحَدُهُمَا ، أَوْ يُقَالَ الْوَاجِبُ وَالْمُحَرَّمُ بَاطِناً وَظَاهِراً أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ مُحَرَّمٌ أَوْ وَاجِبٌ ظَاهِراً لَا بَاطِناً . عَلَى أَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَنْ وَصَفَ بِالتَّحْرِيمِ إحْدَاهُمَا فَقَطْ مُطْلَقاً مَعَ إيجَابِهِ الْكَفَّ عَنْهُمَا أَقْرَبُ مِمَّنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ خَصَّ بِالتَّحْرِيمِ إحْدَاهُمَا . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَنَاوَلَهُمَا مَعاً لَمْ يُعَاقَبْ عُقُوبَةَ مَنْ فَعَلَ مُحَرَّمَيْنِ بَلْ مَنْ فَعَلَ مُحَرَّماً وَاحِداً . وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ الصَّلَاةَ الْمُشْتَبِهَةَ إنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ . وَالْمَسْأَلَةُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهَا مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ مَسْأَلَةِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ هَلْ يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ فَنَفْيُ الْوُجُوبِ عَنْ إحْدَاهُمَا هُنَا لَيْسَ كَنَفْيِ الْوُجُوبِ عَنْ الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هُنَا عَدَمُ عِلْمِهِ وَسَبَبَهُ هُنَاكَ عَجْزُهُ وَعَدَمُ الْعِلْمِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَحْكَامِ ظَاهِراً لَا بَاطِناً عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ . بِخِلَافِ الْعَجْزِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِيهَا بَاطِناً وَظَاهِراً ، وَمَنْ اسْتَقْرَأَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ اسْتَبَانَ لَهُ هَذَا ، وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ لِأَحَدِهِمَا يُعَاقَبُ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ وَالْعَمَلِ بِالْجَهْلِ بِالْمُقْتَضِي لِلْعُقُوبَةِ بِهِ مَعْنًى فِيهِ لَا مَعْنَى فِي الْمَحَلِّ بِخِلَافِ الْمُتَنَاوِلِ لِلْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ لِمَعْنًى فِي الْمَيْتَةِ وَلَيْسَتْ الْعُقُوبَةُ وَالْأَحْكَامُ عَلَى ذَلِكَ الْجِنْسِ مِثْلُ هَذَا . فَإِنَّهُ لَوْ خَاطَرَ وَوَطِئَ مَنْ لَا يَظُنُّهَا زَوْجَتَهُ وَكَانَتْ إيَّاهَا لَمْ يُحَدَّ وَإِنْ أَثِمَ . وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ مَا يَعْتَقِدُهُ خَمْراً فَلَمْ يَكُنْهُ لَمْ يُحَدَّ وَإِنْ كَانَ آثِماً ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَكَمَ بِجَهْلٍ فَصَادَفَ الْحَقَّ هَلْ يَبْتَدِئُ الْحُكْمُ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ أَوْ يَنْفُذُ حُكْمُهُ ؟ لِلْأَصْحَابِ فِيهِ وَجْهَانِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى تَأْثِيمِهِ ، وَمَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى قَابِضاً مُقْبِضاً لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَالِكٌ وَلَا وَكِيلٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَارِثٌ أَوْ وَكِيلٌ هَلْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ آثِماً وَلَوْ فَعَلَهُ الْوَكِيلُ بَعْدَ الْعَزْلِ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ لَمْ يَأْثَمْ ، وَفِي صِحَّةِ التَّصَرُّفِ رِوَايَتَانِ وَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلنَّاسِ ، وَكَذَا عَلَى قِيَاسِ هَذَا لَوْ عَقَدَ عَلَى الْمُشْتَبِهَةِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهَا الْأَجْنَبِيَّةُ أَوْ الْمُذَكَّى هَلْ يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ إذْ الْجَهْلُ بِالْمَحَلِّيَّةِ كَالْجَهْلِ بِالْأَهْلِيَّةِ . فَإِنْ قُلْت : أَنْتُمْ تَخْتَارُونَ فِيمَا كَانَ مُحَرَّماً وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُكَلَّفُ تَحْرِيمَهُ أَنَّهُ عَفْوٌ فِي حَقِّهِ لَا مُبَاحٌ ظَاهِراً وَلَا بَاطِناً فَكَيْفَ تَقُولُونَ فِيمَنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ وَلَمْ يَكُنْ حَرَاماً أَنَّهُ حَرَامٌ ظَاهِراً أَوْ حَرَامٌ مُطْلَقاً ؟ .