تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
عِنْدَ وُجُودِهَا - فَهَذِهِ لَا تُخَصَّصُ ، وَيُقَالُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً - وَهِيَ مَا مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَقْتَضِيَ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تُصَادِفَ مَحَلّاً لَا يَعُوقُ - فَهَذِهِ تُخَصَّصُ ، فَالنِّزَاعُ عَادَ إلَى عِبَارَةٍ كَمَا تَرَاهُ ، وَيَعُودُ أَيْضاً إلَى مُلَاحَظَةٍ عَقْلِيَّةٍ وَهُوَ أَنَّهُ عِنْدَ تَخَلُّفِ الْمَعْلُولِ لِأَجْلِ الْمُعَارِضِ هَلْ يُلَاحَظُ فِي الْعِلَّةِ وَصْفُ الِاقْتِضَاءِ مَمْنُوعاً بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ الْهَابِطِ إذَا صَادَفَ سَقْفاً . وَبِمَنْزِلَةِ ذِي الشَّهْوَةِ الْغَالِبَةِ بِحَضْرَةِ مَنْ يَهَابَهُ ؟ أَوْ يُلَاحِظُ مَعْدُوماً بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنَيْنِ وَبِمَنْزِلَةِ الْعَشَرَةِ إذَا نَقَصَ مِنْهَا وَاحِدٌ فَإِنَّهَا لَمْ تَبْقَ عَشَرَةً ، فَإِذَا كَانَ النِّزَاعُ يَعُودُ إلَى اعْتِبَارٍ عَقْلِيٍّ . أَوْ إلَى إطْلَاقٍ لَفْظِيٍّ لَا إلَى حُكْمٍ عَمَلِيٍّ أَوْ اسْتِدْلَالِيٍّ فَالْأَمْرُ قَرِيبٌ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْخِلَافُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إصْلَاحٌ جَدَلِيٌّ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يُقْبَلُ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ خَبَرُ النَّقْضِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ صُورَةِ النِّزَاعِ وَصُورَةِ النَّقْضِ ، أَوْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِوَصْفٍ يَطَّرِدُ لَا يُنْتَقَضُ أَلْبَتَّةَ وَمَتَى انْتَقَضَ انْقَطَعَ فِيهِ أَيْضاً اصْطِلَاحَانِ لِلْمُتَجَادِلَيْنِ . وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي حُدُودِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ إلْزَامَ الْمُسْتَدِلِّ بِطَرْدِ عِلَّتِهِ فِي مُنَاظَرَاتِهِمْ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ ، وَأَمَّا أَهْلُ خُرَاسَانَ فَلَا يُلْزِمُونَهُ بِذَلِكَ بَلْ يُلْزِمُونَهُ تِبْيَانَ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ وَيُجِيزُونَ النَّقْضَ بِالْفَرْقِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي غَلَبَ عَلَى الْعِرَاقِيِّينَ بَعْدَ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ ، وَتَجِدُ الْكُتُبَ الْمُصَنَّفَةَ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي الْخِلَافِ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ زَمَانِهِمْ وَمَكَانِهِمْ ، فَلَمَّا كَانَ الْعِرَاقِيُّونَ فِي زَمَنِ الْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ مِصْرَ وَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَنَحْوِهِمْ يُوجِبُونَ الِاطِّرَادَ غَلَبَ عَلَى أَقْيِسَتِهِمْ تَحْرِيرُ الْعِبَارَاتِ وَضَبْطُ الْقِيَاسَاتِ الْمُطَرَّدَاتِ وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّاتُ ، لَكِنْ تَبَدُّدُ الذِّهْنِ عَنْ نُكْتَةِ الْمَسْأَلَةِ يُحْوِجُ الْمُتَكَلِّمَ أَوْ الْمُسْتَمِعَ إلَى أَنْ يَشْتَغِلَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَمَّا يَعْنِيهِ . وَلِهَذَا كَانُوا يُكَلِّفُونَ بِأَنْ يَأْتِيَ بِقِيَاسٍ مُطَّرِدٍ وَلَا يَظْهَرُ خُرُوجُ وَصْفِهِ عَنْ جِنْسِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ دَلِيلاً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ وَرُبَّمَا غَلَا بَعْضُهُمْ فِي الطَّرْدِيَّاتِ ، وَلَمَّا كَانَ الْعِرَاقِيُّونَ الْمُتَأَخِّرُونَ لَا يُلْزِمُونَ هَذَا فَتَحُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ سُؤَالَ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ وَطَوَائِفُ مِنْ مُتَقَدِّمِي الْخُرَاسَانِيِّينَ فَيُسْتَفَادُ مِنْ طَرِيقِهِمْ الْكَلَامُ فِي الْمُنَاسَبَاتِ وَالتَّأْثِيرَاتِ بِحَسَبِ مَا أَحَاطُوا بِهِ مِنْ الْعِلْمِ أَثَراً وَرَأْياً ، وَهَذَا أَشَدُّ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ مِنْ حَيْثُ احْتِيَاجُهُ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى تَأْثِيرِ الْوَصْفِ ، وَالْأَوَّلُ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ احْتِيَاجُهُ إلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ النَّقْضِ ، وَلِهَذَا سَمَّى بَعْضُهُمْ الْأَوَّلِينَ أَصْحَابَ الطَّرْدِ ، وَسَمَّى الْآخَرِينَ أَصْحَابَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 200 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا