يَمِينِهِ بِالضَّرْبِ بِالضِّغْثِ وَقَدْ كَانَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ أَنْ يَضْرِبَ ضَرَبَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ الْحِيلَةِ فَنَحْنُ نَقِيسُ سَائِرَ الْبَابِ عَلَى هَذَا .
قُلْنَا : أَوَّلاً : لَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ فِي مُوجَبِ هَذِهِ الْيَمِينِ فِي شَرْعِنَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى قَوْلَيْنِ .
أَحَدِهِمَا : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ مُوجَبُهَا الضَّرْبُ مَجْمُوعاً أَوْ مُفَرَّقاً ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَشْتَرِطُ مَعَ الْجَمِيعِ الْوُصُولَ إلَى الْمَضْرُوبِ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْفُتْيَا مُوجَبَ هَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَلَيْسَ هَذَا بِحِيلَةٍ إنَّمَا الْحِيلَةُ أَنْ يَصْرِفَ اللَّفْظَ عَنْ مُوجَبِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ مُوجَبَهُ الضَّرْبُ الْمُفَرَّقُ فَإِذَا كَانَ هَذَا مُوجَبُ شَرْعِنَا لَمْ يَصِحَّ الِاحْتِجَاجُ عَلَيْنَا بِمَا يُخَالِفُ شَرْعَنَا بِخِلَافِهِ .
وَقُلْنَا : ثَانِياً : مَنْ تَأَمَّلَ الْآيَةَ عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الْفُتْيَا خَاصَّةُ الْحُكْمِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَامَّةً فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ لَمْ يُخَفِّفْ عَلَى نَبِيٍّ كَرِيمٍ مُوجَبَ يَمِينِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي اقْتِصَاصِهَا عَلَيْنَا كَبِيرُ عِبْرَةٍ ، فَإِنَّمَا يَقُصُّ مَا خَرَجَ عَنْ نَظَائِرِهِ لِيَعْتَبِرَ بِهِ ، أَمَّا مَا كَانَ مُقْتَضَى الْعِبَارَةِ وَالْقِيَاسِ فَلَا يَقُصُّ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ قَالَ عَقِيبَ هَذِهِ الْفُتْيَا { إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً } وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ التَّعْلِيلِ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ ، فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا أَفْتَاهُ بِهَذَا جَزَاءً لَهُ عَلَى صَبْرِهِ تَخْفِيفاً عَنْهُ وَرَحْمَةً بِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ مُوجَبُ هَذِهِ الْيَمِينِ .
وَقُلْنَا : ثَالِثاً : مَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا أَفْتَاهُ بِهَذَا لِئَلَّا يَحْنَثَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ .
وَكَمَا قَدْ نَقَلَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ حَلَفَ لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةَ سَوْطٍ لَمَّا تَمَثَّلَ لَهَا الشَّيْطَانُ وَأَمَرَهَا بِنَوْعٍ مِنْ الشِّرْكِ لَمْ تَفْطِنْ لَهُ لِتَأْمُرَ بِهِ أَيُّوبَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْأَيْمَانِ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ بَلْ لَيْسَ فِي الْيَمِينِ إلَّا الْبِرُّ أَوْ الْحِنْثُ كَمَا هُوَ فِي النَّذْرِ نَذْرِ التَّبَرُّرِ فِي شَرِيعَتِنَا ، وَكَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ فَعُلِمَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَدْ نَذَرَ ضَرْبَهَا .
وَهُوَ نَذْرٌ لَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 187
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٧