وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْصُلُ لَهُ بِذَوْقِهِ الشَّرَّ مِنْ الْمَعْرِفَةِ بِهِ ، وَالنُّفُورِ عَنْهُ ، وَالْمَحَبَّةِ لِلْخَيْرِ إذَا ذَاقَهُ مَا لَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ ، مِثْلَ مَنْ كَانَ مُشْرِكاً أَوْ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً ، وَقَدْ عَرَفَ مَا فِي الْكُفْرِ مِنْ الشُّبُهَاتِ وَالْأَقْوَالِ الْفَاسِدَةِ وَالظُّلْمَةِ وَالشَّرِّ ، ثُمَّ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ، وَعَرَّفَهُ مَحَاسِنَ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَرْغَبَ فِيهِ ، وَأَكْرَهَ لِلْكُفْرِ مِنْ بَعْضِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ ؛ بَلْ هُوَ مُعْرِضٌ عَنْ بَعْضِ حَقِيقَةِ هَذَا وَحَقِيقَةِ هَذَا ، أَوْ مُقَلِّدٌ فِي مَدْحِ هَذَا وَذَمِّ هَذَا .
وَمِثَالُ ذَلِكَ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ الْجُوعِ ثُمَّ ذَاقَ طَعْمَ الشِّبَعِ بَعْدَهُ ؛ أَوْ ذَاقَ الْمَرَضَ ثُمَّ ذَاقَ طَعْمَ الْعَافِيَةِ بَعْدَهُ ، أَوْ ذَاقَ الْخَوْفَ ثُمَّ ذَاقَ الْأَمْنَ بَعْدَهُ ، فَإِنَّ مَحَبَّةَ هَذَا وَرَغْبَتَهُ فِي الْعَافِيَةِ وَالْأَمْنِ وَالشِّبَعِ وَنُفُورَهُ عَنْ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ وَالْمَرَضِ أَعْظَمُ مِمَّنْ لَمْ يُبْتَلَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ .
وَكَذَلِكَ مَنْ دَخَلَ مَعَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ الْحَقَّ وَتَابَ عَلَيْهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ، وَرَزَقَهُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَدْ يَكُونُ بَيَانُهُ لِحَالِهِمْ ، وَهَجْرُهُ لِمسَاوِيهِمْ ، وَجِهَادُهُ لَهُمْ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ ، قَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ - وَكَانَ شَدِيداً عَلَى الْجَهْمِيَّةِ - أَنَا شَدِيدٌ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنِّي كُنْت مَعَهُمْ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إنَّ رَبَّك مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ الْمُشْرِكُونَ فَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَهَاجَرُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ وَجَاهَدُوا وَصَبَرُوا .
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَمَّا أَسْلَمَا تَقَدَّمَا عَلَى مَنْ سَبَقَهُمَا إلَى الْإِسْلَامِ ؛ وَكَانَ [ بَعْضُ مَنْ سَبَقَهُمَا ] دُونَهُمَا فِي الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بِمَا كَانَ عِنْدَهُمَا مِنْ كَمَالِ الْجِهَادِ لِلْكُفَّارِ وَالنَّصْرِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَكَانَ عُمَرُ لِكَوْنِهِ أَكْمَلَ إيمَاناً وَإِخْلَاصاً وَصِدْقاً وَمَعْرِفَةً وَفِرَاسَةً وَنُوراً أَبْعَدَ عَنْ هَوَى النَّفْسِ وَأَعْلَى هِمَّةً فِي إقَامَةِ دِينِ اللَّهِ ، مُقَدَّماً عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
وَهَذَا وَغَيْرُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِكَمَالِ النِّهَايَةِ لَا بِنَقْصِ الْبِدَايَةِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 265
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٥