تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ لَفْظَ " الْإِيمَانِ " إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْأَمْنِ ، كَمَا أَنَّ الْإِقْرَارَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَرَّ ، فَالْمُؤْمِنُ صَاحِبُ أَمْنٍ ، كَمَا أَنَّ الْمُقِرَّ صَاحِبُ إقْرَارٍ ، فَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ بِمُوجِبِ تَصْدِيقِهِ ، فَإِذَا كَانَ عَالِماً بِأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ حُبُّهُ وَتَعْظِيمُهُ بَلْ كَانَ يَبْغُضُهُ وَيَحْسُدُهُ وَيَسْتَكْبِرُ عَنْ اتِّبَاعِهِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِهِ بَلْ كَافِرٌ بِهِ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ كُفْرُ إبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ . فَإِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُكَذِّبْ خَبَراً وَلَا مُخْبِراً بَلْ اسْتَكْبَرَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ . وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً } وَقَالَ لَهُ مُوسَى : { لَقَدْ عَلِمْت مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ } وَقَالَ تَعَالَى : { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } . فَمُجَرَّدُ عِلْمِ الْقَلْبِ بِالْحَقِّ إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عَمَلُ الْقَلْبِ بِمُوجِبِ عِلْمِهِ مِثْلُ مَحَبَّةِ الْقَلْبِ لَهُ وَاتِّبَاعُ الْقَلْبِ لَهُ لَمْ يَنْفَعْ صَاحِبَهُ ، بَلْ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ ، وَنَفْسٍ لَا تَشْبَعُ ، وَدُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ ، وَقَلْبٍ لَا يَخْشَعُ } . وَلَكِنَّ الْجَهْمِيَّةَ ظَنُّوا أَنَّ مُجَرَّدَ عِلْمِ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقِهِ هُوَ الْإِيمَانُ ، وَأَنَّ مَنْ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ عِلْمِ قَلْبِهِ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ شَرْعاً وَعَقْلاً وَحَقِيقَتُهُ تُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ ؛ وَلِهَذَا أَطْلَقَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ كُفْرَهُمْ بِذَلِكَ ، فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ عَالِماً بِالْحَقِّ وَيَبْغُضُهُ لِغَرَضٍ آخَرَ ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ مُسْتَكْبِراً عَنْ الْحَقِّ
الفتاوى الكبرى — صفحة 243 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا