تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
مُنِيبٍ } . إذْ الْمُحِبُّ يَخَافُ مِنْ زَوَالِ مَطْلُوبِهِ وَحُصُولِ مَرْغُوبِهِ ، فَلَا يَكُونُ عَبْداً لِلَّهِ وَمُحِبَّهُ إلَّا بَيْنَ خَوْفٍ وَرَجَاءٍ ؛ قَالَ تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إنَّ عَذَابَ رَبِّك كَانَ مَحْذُوراً } . وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مُخْلِصاً لَهُ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَيُحْيِي قَلْبَهُ ، وَاجْتَذَبَهُ إلَيْهِ فَيَنْصَرِفُ عَنْهُ مَا يُضَادُّ ذَلِكَ مِنْ السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ ، وَيَخَافُ مِنْ حُصُولِ ضِدِّ ذَلِكَ ؛ بِخِلَافِ الْقَلْبِ الَّذِي لَمْ يُخْلِصْ لِلَّهِ ، فَإِنَّهُ فِي طَلَبٍ وَإِرَادَةٍ وَحُبٍّ مُطْلَقٍ ، فَيَهْوَى مَا يَسْنَحُ لَهُ وَيَتَشَبَّثُ بِمَا يَهْوَاهُ ، كَالْغُصْنِ أَيُّ نَسِيمٍ مَرَّ بِعِطْفِهِ أَمَالَهُ فَتَارَةً تَجْتَذِبُهُ الصُّوَرُ الْمُحَرَّمَةُ وَغَيْرُ الْمُحَرَّمَةِ ؛ فَيَبْقَى أَسِيراً عَبْداً لِمَنْ لَوْ اتَّخَذَهُ هُوَ عَبْداً لَهُ لَكَانَ ذَلِكَ عَيْباً وَنَقْصاً وَذَمّاً . وَتَارَةً يَجْتَذِبُهُ الشَّرَفُ وَالرِّئَاسَةُ ، فَتُرْضِيهِ الْكَلِمَةُ وَتُغْضِبُهُ الْكَلِمَةُ وَيَسْتَعْبِدُهُ مَنْ يُثْنِي عَلَيْهِ وَلَوْ بِالْبَاطِلِ ، وَيُعَادِي مَنْ يَذُمُّهُ وَلَوْ بِالْحَقِّ . وَتَارَةً يَسْتَعْبِدُهُمْ الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَسْتَعْبِدُ الْقُلُوبَ ، وَالْقُلُوبُ تَهْوَاهَا فَيَتَّخِذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَيَتَّبِعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ . وَمَنْ لَمْ يَكُنْ خَالِصاً لِلَّهِ عَبْداً لَهُ قَدْ صَارَ قَلْبُهُ مُعْبِداً لِرَبِّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، بِحَيْثُ يَكُونُ اللَّهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ ، وَيَكُونُ ذَلِيلاً لَهُ خَاضِعاً وَإِلَّا اسْتَعْبَدَتْهُ الْكَائِنَاتُ ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَى قَلْبِهِ الشَّيَاطِينُ ، وَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ ، وَصَارَ فِيهِ مِنْ السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ ، وَهَذَا أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا حِيلَةَ فِيهِ ؛ فَالْقَلْبُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَنِيفاً مُقْبِلاً عَلَى اللَّهِ مُعْرِضاً عَمَّا سِوَاهُ وَإِلَّا كَانَ مُشْرِكاً . قَالَ تَعَالَى : { فَأَقِمْ وَجْهَك لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } إلَى قَوْلِهِ : { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إبْرَاهِيمَ وَآلَ إبْرَاهِيمَ أَئِمَّةً لِهَؤُلَاءِ الْحُنَفَاءِ الْمُخْلَصِينَ أَهْلِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 204 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا