ثُمَّ إنَّ هَذَا كَانَ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْأَوَّلِينَ مِمَّا يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ وَيَسُوغُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ عِنْدَهُمْ مِنْ الْجَوَازِ كَمَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ " عَقْدٌ لَازِمٌ " وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ جَعَلَهُ مِنْ الْجَوَازِ الَّذِي هُوَ الْعُبُورُ مِنْ مَعْنَى الْمَجَازِ .
ثُمَّ إنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ الْمَجَازَ قَدْ يَشِيعُ وَيَشْتَهِرُ حَتَّى يَصِيرَ الْمَقْصُودَ ، فَإِنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ : رَأَيْت الشَّمْسَ أَوْ الْقَمَرَ أَوْ الْهِلَالَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ ، فَالْعُقَلَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ ، وَبَيْنَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَإِذَا قَالَ قَائِلٌ : مَا رَأَى ذَلِكَ بَلْ رَأَى مِثَالَهُ أَوْ خَيَالَهُ أَوْ الشُّعَاعَ الْمُنْعَكِسَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مَانِعاً لِمَا يَعْلَمُهُ النَّاسُ وَيَقُولُونَهُ مِنْ أَنَّهُ رَآهُ فِي الْمَاءِ أَوْ الْمِرْآةِ ، وَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ فِي الْمَاءِ أَوْ الْمِرْآةِ حَقِيقَةٌ مُقَيَّدَةٌ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقّاً فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي } .
هُوَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ حَقّاً ، فَمَنْ قَالَ رَآهُ فِي الْمَنَامِ حَقّاً فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَمَنْ قَالَ إنَّ رُؤْيَتَهُ فِي الْيَقِظَةِ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالرُّؤْيَةِ الْمُقَيَّدَةِ فِي النَّوْمِ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَلِهَذَا يَكُونُ لِهَذِهِ تَأْوِيلٌ وَتَعْبِيرٌ دُونَ تِلْكَ .
وَكَذَلِكَ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ مِنْ الْكَلَامِ فِي الْمَنَامِ هُوَ سَمَاعٌ مِنْهُ فِي الْمَنَامِ .
وَلَيْسَ هَذَا كَالسَّمَاعِ مِنْهُ فِي الْيَقِظَةِ ، وَقَدْ يَرَى الرَّائِي الْمَنَامَ أَشْخَاصاً وَيُخَاطِبُونَهُ ، وَالْمَرْئِيُّونَ لَا شُعُورَ لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا رَأَى أَمْثَالَهُمْ ، وَلَكِنْ يُقَالُ رَآهُمْ فِي الْمَنَامِ حَقِيقَةً ، فَيَحْتَرِزُ بِذَلِكَ عَنْ الرُّؤْيَا الَّتِي هِيَ حَدِيثُ النَّفْسِ ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : رُؤْيَا بُشْرَى مِنْ اللَّهِ ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٍ مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ فِي الْيَقِظَةِ فَيَرَاهُ فِي الْمَنَامِ .
وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا التَّقْسِيمُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَتِلْكَ الرُّؤْيَا يَظْهَرُ لِكُلٍّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَقِظَةِ مَا لَا يَظْهَرُ فِي غَيْرِهَا ، فَكَمَا أَنَّ الرُّؤْيَةَ تَكُونُ مُطْلَقَةً ، وَتَكُونُ بِوَاسِطَةِ الْمِرْآةِ وَالْمَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى أَنَّ الْمَرْئِيَّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمِرْآةِ ، فَإِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً مُسْتَدِيرَةً رَأَى كَذَلِكَ ، فَذَلِكَ فِي السَّمَاعِ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَ غَيْرِهِ مِنْهُ ، وَمَنْ سَمِعَهُ بِوَاسِطَةِ الْمُبَلِّغِ ، فَفِي الْمَوْضِعَيْنِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 18
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨